في السابعة من عمري… بكيتُ وأنا أُعلن أمام الجميع أنني سأتزوّج جاري

لم يكن بكاءً عاديًا بل كان إصرار طفلة لا تعرف التراجع.
وقفتُ في فناء منزلنا في عمّان، والدموع تملأ عيني، وأشرتُ بيدي نحو جارنا، الذي كان يكبرني بعشر سنوات، وقلت بصوتٍ مرتفع أمام الكبار
عندما أكبر سأتزوّج أحمد! لن أتزوّج غيره!
اڼفجر الجميع ضاحكين.
أمسكتني أمي بسرعة، وقد بدت عليها ملامح الإحراج، وأدخلتني إلى الداخل.
أما أحمد فوقف في مكانه مرتبكًا، وقد احمرّ وجهه، لا يدري ماذا يقول.
قال أحدهم ساخرًا إنها مجرد طفلة لا تفهم ما تقول!
لكنني كنت أفهم جيدًا.
أتذكر أنه اقترب مني قليلًا، وربّت على رأسي، وقال بهدوء
عندما تكبرين سنتحدث عن هذا مرة أخرى. الآن ركّزي على دراستك، حسنًا؟
هززتُ رأسي موافقةً فورًا.
ومنذ تلك اللحظة أصبح لدي هدف واضح أن أكبر، أن أنجح، وأن أتزوّج أحمد.
كان أحمد محبوب الحي بأكمله.
شاب طويل، هادئ، ومهذّب. عاش مع جدته بعد ۏفاة والديه، وكان يعتمد على نفسه في كل شيء.
كنت أراه كل يوم تقريبًا، يجلس أمام المنزل يقرأ كتابًا، بينما يراقبني وأنا ألعب.
إن سقطتُ من دراجتي ساعدني.
وإن تعثّرتُ في دراستي شرح لي بصبر.
وإن بكيتُ بسبب موقف في المدرسة اصطحبني لنشتري شيئًا بسيطًا يخفّف عني.
في عالمي الصغير كان بطلي.
لكن في يومٍ ما اختفى.
كنت في الثانية عشرة من عمري.
استيقظتُ كأي يوم، لكن منزله كان مغلقًا، وصامتًا بشكلٍ غريب.
علمتُ لاحقًا أن جدته قد ټوفيت وأنه غادر الحي.
وقفتُ أمام بابه طويلًا، أحمل حقيبتي المدرسية، وأبكي بصمت
وكأن جزءًا من طفولتي قد رحل معه.
ومنذ ذلك اليوم لم أره مرة أخرى.
مرّت خمسة عشر سنة
كبرتُ.
لم أعد تلك الطفلة العنيدة، لكن ذلك الحلم لم يختفِ تمامًا.
درستُ بجد، والتحقتُ بجامعة مميزة في عمان، وتخرّجت بتفوّق.
الجميع كان يرى أن مستقبلي مشرق
لكن في داخلي كان هناك مكان صغير لا يزال يحتفظ باسمه.
لم أكن أعلم أين هو
ولا كيف أصبحت حياته
ولا إن كان ما يزال يتذكرني
لكنني، كلما شعرتُ بالتعب، تذكّرتُ كلمته
ركّزي على دراستك.
فأكملتُ طريقي.
في يوم المقابلة
كنت أقف أمام مقر شركة كبيرة في العاصمة عمان، أحمل سيرتي الذاتية، وأحاول تهدئة قلبي.
قلت لنفسي
يكفيني أن يتم قبولي لا أريد أكثر من ذلك.
دخلتُ غرفة المقابلة.
كانت واسعة، أنيقة، ويخيّم عليها هدوء رسمي.
أجبتُ عن الأسئلة بثقة، وكل شيء كان يسير على ما يرام
حتى فُتح الباب.
دخل رجل.
وقف الجميع فورًا.
المدير التنفيذي.
توقّف قلبي لوهلة.
كان أطول مما أتذكر. وكان يرتدي بدلة أنيقة متقنة. وكانت نظرته حازمة، لكنها ليست باردة. أما وجهه فبدا مألوفًا على نحو غريب.
ألقى نظرة سريعة على اللجنة، ثم استقرت عيناه عليّ.
وظل ينظر طويلًا.
طويلًا إلى حد جعلني أشعر بعدم الارتياح.
ثم فجأة ابتسم.
تلك الابتسامة شدّت قلبي بقوة.
وقال بنبرة فيها شيء من المزاح وشيء من العمق
يبدو أنكِ لم تأتِ فقط من أجل الوظيفة أليس كذلك؟
تجمد الهواء في الغرفة.
شعرتُ وكأن العالم توقف.
نظرتُ إليه جيدًا. لم يعد هناك شك. تلك الابتسامة، والطريقة التي يميل بها
رأسه