كنتُ قد انتهيتُ للتو من تنظيف حماتي الطريحة على السرير


لا يزال جالسًا على الأرض ممسكًا بدفتره الأسود، يتمتم بالأرقام وكأن ما يحدث حوله لا يعنيه.
المبلغ الإجمالي أربعة عشر ألفًا وخمسمائة دولار.. ادفعي ثمانية آلاف أولًا، والباقي لاحقًا.
لم أتوقف.. ولم ألتفت.. وكأن صوته لم يعد يصل إليّ.
وأنا أعبر غرفة المعيشة، وقعت عيناي للحظة على زجاجة العطر المکسورة، وعلى أم سيف التي كانت تنظر إليّ ببرود، وعلى رنا التي بدت منتصرة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
وصلتُ إلى الباب، وانحنيتُ قليلًا لأرتدي حذائي، وفي تلك اللحظة فقط أدرك سيف أن شيئًا لم يعد طبيعيًا.
نهض فجأة، وتقدّم نحوي، وأمسك بذراعي بقوة وقال بحدّة
ديانة.. ماذا تفعلين؟ إلى أين تذهبين؟
توقفتُ، لكنني لم ألتفت إليه، وجاء صوتي هادئًا على غير عادتي، خاليًا من أي رجاء
كنتُ مخلصةً لهذه العائلة ثلاث سنوات، خدمتكم جميعًا دون أن أطلب شيئًا، ولم تعطوني مقابل ذلك مالًا.. ولا حتى كلمة تقدير.
سكتُّ لحظة، ثم تابعتُ بالهدوء ذاته
والآن.. لم أعد أريد شيئًا.
ساد صمتٌ قصير، ثم انفجروا جميعًا في وقت واحد.
اشتدّت قبضة سيف على ذراعي حتى شعرتُ بأصابعه تغرس في جلدي، وقال بلهجة يغلب عليها الڠضب
تزوجتُك لتخدمي والديّ وتعتني ببيتي، هذا ليس فندقًا تغادرينه متى شئتِ.
نظرتُ إليه أخيرًا نظرة باردة لم يعتدها مني، ثم نزعتُ يده عني بهدوء، وكأنني أزيح شيئًا لا يخصني.
صړخت أم سيف من خلفنا بصوتها الحاد
تريدين الرحيل؟ يا لكِ من زوجة سيئة! تتركين البيت بسبب هدية؟!
وأضافت رنا بسخرية وهي تحتضن حقيبتها
يا إلهي، أي دراما هذه! هل تظنين أن العمل في الخارج سهل؟ لقد تعب أخي ليجلب هذه الأشياء!
أما حماي، فلم يتكلم، بل ظل واقفًا ينظر إليّ بنظرة قاسېة، وكأنني أنا المخطئة.
في تلك اللحظة، لم أعد أستطع كتمان ما بداخلي.
نظرتُ إلى سيف وقلتُ بصوت ثابت، رغم الألم الذي لا يزال يشتعل على وجهي
خدعتني بهدية مجانية.. ثم رفعت يدك عليّ.
غبت ثلاث سنوات، لم ترسل مالًا، ولم تسأل.. والآن تعود لتطالبني بديون؟!
ابتسمتُ بسخرية مريرة وأضفت
بأي وجه تتكلم؟ ومن أين جئت بكل هذا؟
ثم التفتُّ إلى أم سيف التي كانت تراقب بصمت متوتر، وقلت
خدمتكِ لسنوات، واعتنيت بكِ، وطبخت لكِ، وسهرت عليكِ.. هل سمعتِني أشتكي يومًا؟
توقفتُ لحظة، ثم نظرت في عينيها مباشرة
واليوم.. هل قلتِ كلمة واحدة لتدافعي عني؟
ساد الصمت.. حتى صوتها اختفى.
عدتُ أنظر إلى سيف، وكانت عيناه لا تزالان ضيقتين، ممتلئتين بالڠضب والغرور، فقلتُ بهدوء حاسم
سيف.. في ثلاث سنوات، أنهيت كل ما كان عليّ في هذا
البيت.
ومن اليوم.. لا شأن لي بكم.
ثم سحبتُ حقيبتي، وفتحتُ الباب وخرجت.
في اللحظة التي عبرتُ فيها العتبة، شعرتُ بخفة لم أعرفها من قبل، كأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا على صدري قد سقط أخيرًا.
أخرجتُ هاتفي واتصلت.
كانت الحاجة أم حسين، المرأة الطيبة في حيّنا، التي لطالما رأت تعبي بصمت، وكانت دائمًا تقول لي
بابي مفتوح