طردها لأنها عاقر… ثم رآها بعد أشهر ببطنٍ منتفخ فانهار في وسط الطريق!


سأتحمّل تبعة ما فعلته.
وفي تلك اللحظة، اخترق الممرَّ بكاءٌ حادّ.
توقّف العالم.
انقطع نفس باتريسيو.
فُتح باب غرفة التمريض، وخرجت الأم بياتريث تحمل بين ذراعيها مخلوقًا صغيرًا ملفوفًا بالكتان. ظلّت ملامحها صارمة، لكن شيئًا آخر كان في عينيها. تعب. وومضة رحمة.
إنه صبي قالت.
خطا باتريسيو خطوة. ثم أخرى.
وإينيس؟
لم تسلّمه الراهبة الطفل.
هي حيّة. لكنها ضعيفة.
عاد الهواء إلى جسده دفعة واحدة. فرفع يدًا إلى فمه، عاجزًا عن تحمّل الارتياح من غير أن ينكسر.
خفضت الأم بياتريث بصرها إلى المولود.
وُلد صغيرًا، لكنه قوي. كأنه قاټل من أجل أن يبقى.
نظر باتريسيو إلى ابنه، فانفتح صدره على ألم حلوّ ووحشيّ. كان ضئيلًا. مجعّدًا. غاضبًا. حيًّا.
لم يُشبه أي صورة نبيلة، ولا أي خيال عن السلالة.
ومع ذلك، كان أقدس ما رآه في حياته.
هل أستطيع؟ سأل، همسًا يكاد لا يُسمع.
ترددت الراهبة لثانية واحدة فقط قبل أن تقرّبه منه.
أخذه باتريسيو بين يديه بخشوع مرتبك. كان الطفل يستقر في ذراعيه كحقيقة هشّة أكثر مما يحتمل. كانت عيناه مغمضتين، وقبضته مشدودة عند صدره.
وبدأ باتريسيو يبكي من جديد.
لا من ضعف.
بل من دينونة.
ومن رحمة لا يستحقها.
ومن إدراك أن الحياة تضع بين ذراعيه الآن الشيء نفسه الذي احتقره قبل أن يراه.
وعندئذ، قال صوتٌ واهن من باب غرفة التمريض الموارب
لا تدع بكاءه يخدعك.
رفع باتريسيو بصره.
كانت إينيس مستيقظة.
شاحبة. منهكة. وشعرها ملتصق بصدغيها. لكنها مستيقظة.
ابتعدت الأم بياتريث قليلًا، فدخل هو ببطء، يحمل الطفل كما لو كان يحمل العالم كله.
راقبته إينيس بصمت.
لم يكن في وجهها حنان سهل. ولا مصالحة مفاجئة. بل وضوح مؤلم.
اقترب باتريسيو من السرير.
إنه جميل قال بصوت مكسور.
إنه ابننا أجابت لكن ذلك لا يمحو ما
فعلت.
أومأ برأسه.
أعلم.
نظرت إينيس إلى الطفل، وللمرة الأولى، لان شيء في ملامحها. لا نحوه هو. بل نحو المخلوق الصغير. نحو البرهان الحي على أن كل ذلك العڈاب لم يذهب سدى.
ابتلع باتريسيو ريقه.
لم آتِ لأطلب الصفح وكأن هذه الكلمة تكفي. هي لا تكفي. ولم آتِ أيضًا لأطالبكِ بشيء. ليس لي حق. أردت فقط أن أقول لك الحقيقة، وإن أذلّتني كنت جبانًا، وكنت قاسيًا، وحكمت عليكِ بعقۏبة بسبب كبريائي. إن طردتِني من هنا، فسأقبل. وإن لم ترغبي في رؤيتي مرة أخرى، فسأقبل. لكنني أقسم بحياة هذا الطفل أنكما لن تعرفا الجوع مرة أخرى بسببي.
استمعت إليه إينيس من دون أن ترمش.
في الخارج، ضړبت الريح مصاريع الدير.
وفي الداخل، أطلق الصغير تأوّهًا خافتًا، فمدّت ذراعيها.
سلّمه إليها باتريسيو بعناية مرتجفة.
ضمّت إينيس الطفل إلى صدرها وأغمضت عينيها لحظة، كأنها تحتاج أن تلمسه لتوقن أنه ما زال هناك.
ثم عادت ونظرت إلى باتريسيو.
لا أريد وعودًا تُقال بدافع الندم همست أريد أفعالًا تبقى حين يجفّ بكاؤك.
أحنى باتريسيو رأسه.
سيكون لكِ ذلك.
صمتت. طويلًا. وثقيلًا.
سيحمل ابني حقيقتي قبل أن يحمل لقبك.
نعم.
ولن يجرؤ أحد بعد اليوم أن يصفني بالكذّابة أو بالعاقر أمامه.
لن يحدث ذلك مرة أخرى.
وأمّك لن تضع قدمها قرب هذا السرير.
رفع باتريسيو عينيه.
لن تفعل.
ثبّتت إينيس نظرها فيه لثوانٍ أخرى. لا لتغفر له. ليس بعد. وربما ليس تمامًا أبدًا. بل لتقيس ما إذا كان الرجل الواقف أمامها هو نفسه الذي دمّرها، أم أن الألم أخيرًا أجبره هو أيضًا على أن يولد من جديد.
وفي الخارج، في الممر، سُمع الصدى البعيد لعصا دونيا إلفيرا وهي تبتعد. وكانت أدريانا تبكي في زاوية ما، مهزومة. وكان عالم باتريسيو فارغاس القديم يبدأ في الاڼهيار حجرًا بعد حجر.
وهو، واقفًا إلى جوار سرير المرأة التي حكم عليها بالهلاك، والابن الذي كاد يفقده قبل أن يعرفه، أدرك أنه لا عقاپ أعدل من هذا أن يكرّس ما تبقّى من عمره ليستحق نظرة كلٍّ منهما وهو يعلم أنه ربما لن يستعيدها كاملةً أبدًا.