العذراء ذات التسعه وثلاثين عاما


شيء. لم تكن البداية درامية كما قد يتخيل أحد مجرد ألمٍ خاڤت في بطنها، أشبه بوخزة عابرة يمكن تجاهلها. حاولت أن تتعامل معه كأي تعبٍ عابر، كإرهاقٍ بسيط سيزول مع الراحة. لكن الألم لم يختفِ بل عاد، أقوى، أعمق، وكأنه يعلن عن نفسه ببطءٍ متعمد.
أيام قليلة، وكان الألم قد تحوّل إلى شيءٍ لا يُحتمل.
شيءٌ يسرق أنفاسها، ويجعل الليل أطول من اللازم، والهدوء أكثر قسۏة.
استدعت الطبيب جورج هالِر، أحد أكثر الأطباء شهرةً في المدينة.
رجلٌ هادئ، متمرس، لا يُظهر انفعالاته بسهولة.
فحصها طويلًا أكثر مما توقعت. صمت كثيرًا أكثر مما ارتاحت له.
وحين انتهى، لم يحتج إلى كلماتٍ كثيرة.
نظر إليها نظرةً مباشرة، وقالها كما هي دون تجميل
ورم خبيث. لا أمل في الشفاء.
ستة أشهر على الأكثر وربما أقل.
كان الحكم نهائيًا..باردًا كأنه لا يخصها.
الغريب أنها لم تصرخ لم تبكِ لم تسأله حتى لماذا أنا؟.
استقبلت إليانا الخبر بهدوءٍ أربك الطبيب نفسه.
كأنها كانت تعرف في مكانٍ ما داخلها أن النهاية لن تكون مختلفة.
كانت تعلم أنها ستغادر هذا العالم كما عاشت فيه وحدها.
شكرته دفعت أجره بسخاءٍ زائد، كعادتها.
ورافقته حتى الباب بنفسها.
كل شيءٍ كان طبيعيًا بشكلٍ مخيف.
لكن حين أُغلق الباب، وبقيت وحدها
تغيّر كل شيء جلست في غرفتها، دون حركة.
الوقت مرّ لكنها لم تشعر به.
تسعة وثلاثون عامًا رقمٌ بدا فجأة ثقيلًا.
تسعة وثلاثون عامًا دون أن تعيش فعلًا.
دون أن تختبر الشغف دون أن تعرف تلك الرجفة التي يتحدث عنها الآخرون وكأنها سرّ الحياة.
لم لم تعرف القرب.
لم تعرف أن يكون هناك شخصٌ واحد يراها، لا ما تملك.
سترحل كما جاءت.
عذراء جاهلة بذلك الجزء الذي يعتقد الجميع أنه جوهر الأنوثة.
الفكرة لم تغادرها بل التصقت بها.
أسابيع مرت والألم في جسدها كان يزداد.
لكن الألم الحقيقي لم يكن في بطنها.
كان في داخلها إحساسٌ حاد بالندم.
قضت حياتها تحمي نفسها تغلق الأبواب.
ترفض كل من اقترب لأنها رأت الحقيقة في عيونهم.
لكن الآن وبعد فوات الأوان
تساءلت لأول مرة هل كانت على حق دائمًا؟
أم أنها بالغت في الحذر؟
في إحدى أمسيات يونيو، خرجت إلى الشرفة.
الهواء كان دافئًا خفيفًا كأنه لا يعرف شيئًا عمّا يحدث بداخلها.
وقفت تنظر إلى المدينة. الأضواء في كل مكان.
ضحكات بعيدة. عربات تمرّ حياةٌ كاملة لا تتوقف.
كم من امرأةٍ في تلك اللحظة كانت بين ذراعي رجل؟
كم منهنّ كنّ يضحكن أو يهمسن أو يستسلمن لمشاعر لا تفهمها؟
العالم كان يمضي بكل فوضاه، وشغفه، وخطاياه.
وهي كانت تقف خارجه.
كأنها لم تكن جزءًا منه يومًا.
في تلك اللحظة تحديدًا ولأول مرة
خطرت لها الفكرة لم تأتِ تدريجيًا.
لم تكن نتيجة تفكيرٍ طويل بل ظهرت كاملة.
فكرةٌ مچنونة صاډمة. لا تُصدق.
لكنها بدت لها منطقية بشكلٍ مخيف.
ماذا ستخسر؟ السمعة؟ لم يعد لها معنى.
نظرات الناس؟ لن تعيش لتراها.
الأعراف؟ قيودٌ لم تعد تهم.
هي ټموت. وهذا يغيّر كل القواعد.
في صباح اليوم التالي، لم تتردد.
استدعت توماس كراين،