العذراء ذات التسعه وثلاثين عاما

 

لم تشعر إليانا روس قط بالحب. في سن التاسعة والثلاثين، كانت هذه الوريثة الثرية تعيش في مدينة ساحلية بعيدة، داخل قصرٍ فخم يقع في أحد أهدأ الشوارع وأكثرها أناقة، محاطة بالخدم من كل جانب لكنها، رغم كل هذا الثراء، كانت تعيش وحدةً قاسېة تلتهم أيامها ببطء.
كان والدها، تاجرًا بارعًا يعرف كيف يصنع المال من لا شيء، قد ترك لها ثروة ضخمة قبل ۏفاته بخمس سنوات.
ترك لها كل شيء إلا الإحساس بالحياة.
أما والدتها، فقد رحلت منذ زمن بعيد، حين كانت إليانا في الثانية عشرة فقط، بعد أن أنهكها المړض سريعًا. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الطفلة كما كانت كبرت فجأة، وهدأ شيء بداخلها إلى الأبد.
منذ سنواتها الأولى، لم تكن وحيدة في الظاهر.
كان بابها مفتوحًا دائمًا للخطّاب رجال من طبقات مرموقة، بأسماء لامعة ووجوه واثقة.
لكن خلف كل ابتسامة، كانت ترى الحقيقة.
لم يكونوا يرونها بل يرون ما تملك.
كانوا يسألون عن ممتلكاتها أكثر مما يسألون عنها.
ينبهرون بثروتها أكثر مما يهتمون بشخصها.
وكان ذلك كافيًا لتدرك أنهم لا يريدونها حقًا.
لم تكن جميلة بشكلٍ لافت، ولا قبيحة تُنفر أحدًا.
كانت ببساطة عادية.
ملامح هادئة، حضور خاڤت، وصوت لا يسعى للفت الانتباه.
وفي عالمٍ لا يلتفت إلا لما يلمع كانت العادية تعني أن تمر دون أن يلاحظها أحد.
كلما اقترب أحدهم، كانت ترى ما لا يُقال.
وكلما فهمت أكثر كانت ترفض.
لم تكن مستعدة أن تتحول إلى صفقة، أو أن تُختزل حياتها في مهرٍ يُدفع.
كانت ترفض بهدوء دون صخب. لكن رفضها كان كافيًا ليجعلهم يرحلون واحدًا تلو الآخر حتى اختفوا جميعًا.
مرت السنوات، وتغيّر كل شيء..قلت الدعوات إلى الحفلات،
واختفت الأحاديث اللطيفة، وحلّ مكانها صمت ثقيل ونظرات لا تخلو من شفقة.
كلمة واحدة بدأت تلاحقها في كل مكان
عانس.
كأنها حكم.. كأنها وصمة لا تُغتفر.
في مجتمعٍ لا يرى للمرأة قيمة دون زوج، أصبحت إليانا استثناءً غير مفهوم بل خطأً يجب تفسيره.
فابتعدت.
لم تحاول الدفاع عن نفسها، ولم تسعَ لإرضاء أحد.
اختارت العزلة لأنها أقل قسۏة من نظرات الناس.
وجدت راحتها في الكتب،
بين صفحات لا تسألها لماذا تأخرت، ولا تُحاسبها على اختياراتها.
ووجدت نفسها أكثر في العمل حيث الأرقام واضحة، والقرارات بيدها وحدها.
كانت تملك ثلاث مزارع قطن واسعة،
وأُسطولًا صغيرًا من السفن التجارية التي تجوب البحر.
ولم تكن مثل غيرها من أصحاب الثروات
لم تكتفِ بإصدار الأوامر من بعيد.
كانت تذهب بنفسها.
تزور الأراضي، تمشي بين العمال، تحفظ الوجوه والأسماء.
ترى التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون وتسمع ما لا يُقال.
لم تكن غافلة.
كانت تعرف جيدًا أن هذا الثراء بُني على نظام قاسٍ، لا عدل فيه.
ترى التعب في الأجساد، والصمت في العيون، وتفهم أكثر مما تُظهر.
لم تكن تملك القوة لتغيير هذا الواقع.
لكنها، على الأقل، حاولت ألا تكون جزءًا من قسوته.
كانت أقل صرامة أكثر إنصاتًا وأحيانًا، أكثر إنسانية.
لكن في ربيع عام 1858، تغيّر كل