ابني شال صاحبه القعيد طول الرحله

​المديرة كانت واقفة ورا مكتبها مش قادرة تنطق، والصمت في الأوضة كان تقيل ومرعب.

​فجأة، أطول واحد في الرجالة دي - اللي باين من النياشين اللي على بدلته إنه القائد بتاعهم - ملامحه الجامدة دي اتغيرت تمامًا. اتنهد تنهيدة عميقة، وبص لعمر بنظرة فيها لمعة غريبة… لمعة دموع مكتومة.

​قلع الكاب العسكري بتاعه، ونزل على ركبته على الأرض عشان يبقى في نفس مستوى طول عمر.

الأوضة كلها كانت بتراقب اللي بيحصل بذهول.

​الظابط بص لعمر وقال بصوت مبحوح، بس قوي: "أنت اسمك عمر محمود عبد الرحمن… صح؟"

عمر هز راسه بـ "آه" وهو باصص في عينيه.

الظابط ابتسم ابتسامة حزينة وقال: "عارف أبوك الله يرحمه كان بيشتغل إيه؟"

​أنا هنا اتسمرت في مكاني. جوزي الله يرحمه كان ظابط في قوات خاصة، واسټشهد في مأمورية، بس أنا عمري ما حكيت لعمر تفاصيل اللي حصل عشان كان صغير، واكتفيت إني أقوله إن باباه بطل.

​الظابط كمل كلامه ومسك كتف عمر: "من 15 سنة… في مكان أصعب وأخطر من وادي دجلة بألف مرة، أنا اتصابت في رجلي الاتنين وماكنتش قادر أقف. كنا في وسط جبال، والتعليمات كانت إننا ننسحب فورًا. الأوامر كانت واضحة: اللي يقع، نسيبه عشان الباقي يعيش."

​سكت لحظة ومسح وشه بإيده، وكمل: "بس في عسكري رفض ينفذ الأمر ده. خالف التعليمات، وشالني على ضهره. مشي بيا 12 كيلو في طريق كله صخر وڼار… كل شوية كان يقف ياخد نفسه، ولما أقوله سيبني وامشي، كان يرد ويقول: 'أنا ما بسيبش أخويا ورايا'… العسكري ده كان أبوك يا عمر."

​أنا دموعي نزلت زي الشلال وماكنتش قادرة أقف على رجلي. المديرة حطت إيدها على بقها من الصدمة، والمدرسين اللي كانوا بيشتكوا من عمر امبارح كانوا واقفين بيعيطوا.

​الظابط قام وقف، وطلع من جيبه حاجة معدن بتلمع… كانت السلسلة العسكرية (الـ Dog tags) بتاعة جوزي.

لبسها لعمر في رقبته وقال بصوت عالي سمعه كل اللي في المدرسة: "لما قرينا التقرير بتاع رحلة المدرسة، وعرفنا إن في طفل شال صاحبه القعيد 10 كيلو ورفض يسيبه رغم إن المدرسين حذروه… ولما دورنا في الاسم وعرفنا أنت ابن مين… كان لازم نيجي بنفسنا."

​الظابط لفلنا كلنا وقال: "الولد ده مخالفس التعليمات… الولد ده نفذ أعظم قانون في الإنسانية، القانون اللي أبوه ماټ وهو مؤمن بيه."

​وبعدين تراجع خطوة لورا، وبص لعمر… وضربله تعظيم سلام!

الخمس رجالة اللي معاه في نفس اللحظة ضربوا تعظيم سلام لطفل عنده 12 سنة.

​عمر، اللي كان دايماً ساكت وهادي، حط إيده على السلسلة اللي في رقبته، وابتسم نفس الابتسامة بتاعة أبوه، وقال للظابط: "كريم صاحبي… والرجالة ما بتسيبش صحابها."

​خرجنا من المدرسة اليوم ده مش بس كأبطال، لكن كعيلة رجعلها الروح من تاني. قصة عمر انتشرت في كل مكان، والجيش تكفل بعلاج كريم صاحبه بالكامل في مستشفيات القوات المسلحة لحد ما قدر يمشي على عكاز، وقدموا لعمر منحة دراسية كاملة.

​ابني ماكنش بس بيشيل صاحبه على ضهره في الرحلة دي… ده كان شايل أمانة أبوه، ورفع راسنا كلنا. ومن يومها، عمر بطل يكون هادي بزيادة… بقى عارف هو مين، وابن مين، وبقى فخور بنفسه وبصاحبه اللي عمره ما سابه.