مزارعٌ عثر على أمّ ورضيعتها تحتضران على الطريق… ثم حدث ما لم يتوقعه أحد


أما الباب الخلفي، فقد دعّمته بعارضة خشبية ثبتّها في الجدارين، ثم وضعت أمامه صندوق الحبوب المعدني، وهو أثقل ما في المطبخ تقريبًا.
ثم جاءت الأسلحة.
لم أكن رجلًا يبحث عن المشكلات، ولا ممن يعيشون وأيديهم على البنادق، لكن الريف له منطقه القاسې، ومن عاش فيه طويلاً تعلّم أن الاحتياط ليس شجاعة ولا جبنًا، بل ضرورة. أخرجت بندقية أبي القديمة من مكانها، وجلست أنظفها بعناية. مررتُ قطعة القماش داخل الماسورة مرارًا، وتفقدت الزناد، وراجعت الخراطيش. ثم أحضرت المسډس الذي لم ألمسه منذ سنوات، وفحصته بعين رجلٍ لم يعد ينظر إليه كقطعة معدنية مخزونة، بل كشيء قد يفصل بين الحياة والمۏت بعد ساعات.
كانت لوسيا تحاول أن تساعدني. في البداية قلت لها أن ترتاح، فهي بالكاد استعادت قدرتها على الوقوف. لكنها أصرت، لا بالكلام الكثير، بل بتلك النظرة العنيدة الهادئة التي تقول إن الإنسان إذا حُرم من كل شيء، فإنه يتشبث على الأقل بحقه في ألّا يكون عبئًا. فتركتها تساعدني بما تستطيع تُمسك المصباح، تُناولني المسامير، تطوي بعض الأقمشة، تراقب إسبيرانثا بين حين وآخر. كنت أرى الوهن في حركتها، والارتجاف الخفيف في أصابعها، لكنني كنت أرى أيضًا شيئًا آخر عزمًا يرفض أن ينكسر مرةً أخرى.
أما إسبيرانثا، فقد بدأت تستجيب شيئًا فشيئًا لما قدّمناه لها من دفء وطعام ورعاية. لم تعد تتنفس بذلك البطء المرعب الذي رأيته أول مرة، وصارت تفتح عينيها أحيانًا، وتنظر حولها كما لو أنها تحاول أن تفهم هذا العالم الذي عاد يمنحها فرصةً أخرى. في وجهها الصغير شيء من الهدوء، شيء من البراءة التي لم تفهم بعد أنها نجت من موتٍ كان يقترب منها ببطء. كنتُ كلما نظرت إليها، شعرت بأن في البيت نبضًا جديدًا، هشًّا، لكنه حقيقي.
مع اقتراب المساء، بدت المزرعة كلها كأنها دخلت صمتًا مختلفًا عن كل مساءٍ سابق. الضوء الذهبي الذي كان ينسكب على الحقول ويمنحها جمالًا ريفيًا مألوفًا، بدا تلك الليلة كأنه ضوءُ ترقّبٍ أخير قبل أن يبتلع الظلام كل شيء. الهواء صار أكثر برودة، والريح أخذت تمرّ بين الأخشاب القديمة بصوتٍ خاڤت كأنه همسٌ طويل.
أعددت قليلًا من الطعام، لكن أحدًا لم يأكل إلا لقيمات معدودة. لوسيا شربت بعض الماء، وأطعمت ابنتها، ثم جلست قربها تحدّق فيها طويلًا. أما أنا، فكنت أتنقّل بين الباب والنافذة والطاولة التي وضعتُ عليها الذخيرة، وكأن الحركة وحدها تمنع الأفكار من أن تخنقني.
عند حلول الليل، كان كل شيء جاهزًا قدر الإمكان.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم قلت
اذهبي إلى الغرفة الخلفية.
رفعت لوسيا رأسها. كانت تعرف لماذا أقول ذلك، ومع ذلك لم تُظهر رغبةً في الطاعة السريعة. بقيت لحظةً صامتة، ثم سألت بنبرةٍ خاڤتة
وأنت؟
سأبقى هنا.
هزّت رأسها ببطء، كأنها تريد أن تعترض، لكنها تعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا. حملت إسبيرانثا، التي كانت قد غفت مجددًا، ومضت نحو الغرفة الأخيرة في الممر. تبعتها حتى الباب.
وقفتُ أمامها وقلت بوضوح
مهما سمعتِ، لا تفتحي. لا إذا صرخوا، ولا إذا كسروا شيئًا، ولا إذا سمعتِني أنا نفسي أصرخ. لا تفتحي حتى آتي أنا.
نظرت إليّ بعينين واسعتين، ثم شدّت الطفلة إلى صدرها، وأومأت.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب.
عدتُ أنا إلى الصالة، وجلست في العتمة، والبندقية فوق ساقي.
مرّت الدقائق بطيئة إلى حد الاختناق. في مثل هذه اللحظات، يفقد الزمن معناه الطبيعي. الدقيقة لا تعود دقيقة، بل
شيئًا أطول، ممتدًا، ثقيلًا، كأنها تختبر أعصابك عمدًا. كان البيت ساكنًا إلا من أصوات مألوفة صارت في تلك الليلة حادةً ومريبة