حماتي واخت جوزي


يناير.. لأن في اللحظة دي فهمت إنهم مش جايين يونسوني في وحدتي. هما جايين لأنهم عارفين إيه اللي جوه الظرف ده بالظبط.. وجايين عشان يحطوا إيدهم على شقى عمري قبل ما الشمس تطلع على يوم جديد بس عملت حاجه محدش كان يتوقعها
وقفت عبير وعيناها تلمعان ببريق الجشع وهي تقترب من الظرف الكريمي. كان صمت هاني ابني هو السکين التي تغرس في ظهري، وصوت كعب عبير على الرخام كأنه دقات ساعة تعلن نهاية خصوصيتي.
مدت يدها الطويلة بأظافرها المطلية بلون أحمر صارخ لتمسك الظرف، لكنني، وبسرعة لم يعهدوها فيّ منذ سنوات، سبقتها. خطفت الظرف ووضعته في جيب روبي الصوفي، ونظرت إليها نظرة جعلتها تتراجع خطوة للخلف.
الظرف ده يخصني يا عبير.. والبيت ده لسه صاحبه عايش وبيتنفس، قلتها بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة التي يشتهر بها الساحل في يناير.
ضحكت الحاجة فوزية ضحكة صفراء وهزت كتفها وهي تخلع عباءتها وترميها على الأريكة الجلدية الغالية جرى إيه يا أبو هاني؟ إحنا أهل.. وبعدين إحنا جينا عشان نريحك من الوحدة دي. الشاليه واسع، وأنت كبرت ومحتاج اللي يخدمك ويشيل عنك.. وعبير بنتك برضه، وأنت عارف الظروف.
التفتت لهاني الذي كان يوزع نظراته بين الأرض وبين شنط السفر تعبت يا هاني؟ الشنط تقيلة؟ معلش يا حبيبي، اطلع رص شنطة مامتك في الأوضة الكبيرة اللي بتطل على البحر، وشنطة أختك في الأوضة اللي جنبها.
المواجهة الأولى
هاني! ناديت عليه بصوت زلزل أركان الصالة. توقف ابني مكانه كأنه صنم. الشنط دي متتفتحش.. والهدوم دي متترصش. أنتوا ضيوف ليلة واحدة، والصبح العربية اللي جابتكم ترجعكم.
هنا تبدلت ملامح الحاجة فوزية. اختفت الابتسامات المصطنعة وظهر الوجه الحقيقي. وضعت يدها في وسطها وقالت بنبرة حادة ليلة واحدة إيه يا حاج رفعت؟ أنت فاكرنا جايين نشم هوا ونمشي؟ إحنا بعنا شقة القاهرة خلاص! هاني خسر فلوسه في البورصة، والشقة كانت مرهونة للبنك، وإحنا ملناش مأوى غير هنا.. وبعدين ده حقنا، مش أنت كنت كاتب الشاليه ده باسم ليلى الله يرحمها؟ يعني إحنا ورثة فيها زينا زيك!
نزلت
الكلمات عليّ كالصاعقة. ليس لأنهم بلا مأوى، بل لأنهم خططوا لكل شيء من وراء ظهري، ولأن ابني الوحيد سمح لهم ببيعه في سوق النخاسة من أجل غلطاته. نظرت لهاني، وجدته يبكي بصمت، يداري وجهه من خجله ومن قلة حيلته أمام تسلط أمه وأخته.
عبير كملت وهي بتفتح ثلاجة المطبخ وتطلع منها إزازة مياه معدنية وتشرب ببرود وبعدين يا بابا رفعت.. الظرف اللي في جيبك ده، إحنا عارفين إنه إعلان وراثة وتنازل عن نصيبك لينا عشان نخلص الإجراءات.. هاني قالي إنك كنت ناوي تعمل كدة عشان تضمن مستقبلنا.
المفاجأة التي لم يتوقعها أحد
ضحكت.. ضحكت بصوت عالٍ حتى دمعت عيناي. استغربوا من رد فعلي. ظنوا