سر زوجي ظهر بعد ۏفاته


من الأبواب المعدنية، الموظف سألني لو أقدر أساعدك، قلت له بهدوء إني جاية أشوف مخزن جوزي، بص في الكمبيوتر وهز راسه وقال إن الإيجار مدفوع مقدم لسنة كاملة، سنة؟ يعني كان ناوي يعيش سنة كمان على الأقل، وصلت قدام باب 317، إيدي كانت ثابتة وأنا بنزل من العربية، لكن أول ما جيت أحط المفتاح في القفل، إيدي بدأت تترعش زي الورقة، المفتاح لف بسهولة كأنه مستنيني، رفعت الباب الحديد ببطء، وصوت الاحتكاك خدش أعصابي، أول ما النور دخل جوه المخزن، اتجمدت مكاني، المكان ما كانش فيه دهب ولا شنط فلوس ولا أجهزة سرية، كان فيه صور، مئات الصور متعلقة على حبال ممتدة من حيطه لحيطه، صور ليا أنا، في كل مراحل عمري، وأنا شابة لابسة فستان الفرح، وأنا حامل في ابننا، وأنا بضحك في المطبخ، وأنا نايمة على الكنبة، صور لبيتنا من بره، لشارعنا، لحديقتنا، وفي النص مكتب خشب صغير فوقه صناديق مرتبة بعناية، قربت وأنا مش فاهمة، فتحت أول صندوق، لقيته مليان كراسات، كل كراسة عليها سنة، بدأت من سنة جوازنا الأولى لحد السنة اللي فاتت، فتحت واحدة، لقيته كاتب بخط إيده، مذكرات، يوميات، كل يوم تقريباً موثق، مش بس أحداثه، لكن مشاعره، خوفه، ضعفه، حبه، حتى غيرته أوقات، كتب عن أول مرة شافني فيها، عن رهبة إنه يكون مسؤول عن بيت، عن قلقه لما مرضت، عن شعوره بالعجز لما خسر شغله في منتصف الأربعينات وقرر ما يقوليش عشان ما أقلقش، وبدأ يشتغل شغلانات صغيرة في السر لحد ما رجع وقف على رجله، كتير من اللي افتكرته قوة وثبات طلع وراه قلق وتوتر كان بيخبّيه بابتسامة، قعدت على الأرض وأنا بقلب الصفحات ودموعي بتنزل في صمت، وبعدين لقيت صندوق مختلف، مقفول بقفل صغير، نفس المفتاح فتحه، جواه ظرف كبير باسمي، إنعام، بإيده، إيديا اترعشت وأنا بفتحه، الرسالة كانت طويلة، كتب فيها إنه قبل ما يتجوزني بسنتين اتعرض لحاډث خطېر وهو مسافر مع صحابه في رحلة، وإنه وقتها أنقذ بنت صغيرة من عربية كانت هتخبطها، لكنه ما لحقش ينقذ أبوها اللي ماټ قدام عينه، وإن إحساس الذنب فضل ملازمه سنين، وإنه بعد ما اتجوزني قرر يدور على البنت دي، عرف إنها اتربت في ملجأ، وكان بيروح لها كل شهر باسم متبرع مجهول، يدفع مصاريف دراستها، ويتابع أخبارها من بعيد من غير ما يعرفها بنفسه عشان ما يربكش حياتها، وكتب إنه التاتو كان إحداثيات المكان اللي دفنوا فيه الراجل اللي ماټ في الحاډث، لأنه كان حاسس إنه مدين له بحياته، وإنه كان بيروح هناك مرة كل سنة يقرأ الفاتحة ويطلب السماح، كتب إنه عمره ما حكالي عشان ما يشيلنيش هم ذنب