مكر حماتي و شړ زوجي


رجوعي من السفر.
بس المرة دي الإحساس كان مختلف تمامًا.
قعدت الست دولت على الكرسي الكبير اللي دايمًا كانوا يقولوا إنه كرسيها المفضل، وبصت حوالين الشقة كأنها بتودع زمن كامل.
أنا سألتها
تيتة إنتي كنتي مخبية كل ده لوحدك إزاي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
مش كل الناس اللي ساكتة تبقى ضعيفة في ناس بتسكت عشان بتخطط.
وبعدين بدأت تحكي لي حاجة عمري ما كنت أتخيلها.
قالت إن زمان، قبل ما خالد يتولد بسنين طويلة، كانت ست أعمال قوية جدًا.
كان عندها شركة مقاولات صغيرة بدأت من الصفر بعد ۏفاة جوزها.
كبرت الشركة لحد ما بقى عندها أراضي ومباني ومحلات في كذا مكان.
لكن لما ابنها كبر واتجوز، كل حاجة بدأت تتغير.
زوجته كانت دايمًا بتحاول تقنعه إن أمه لازم تسلمه الإدارة.
ومع الوقت بدأ الطمع يدخل بينهم.
في الأول كانوا بيطلبوا بس إنهم يمضوا أوراق بسيطة.
وبعدين بقى في ضغط أكبر.
ولما رفضت بدأت المعاملة تتغير.
قالت وهي بتبص للأرض
الإنسان لما بيشوف الطمع في عيون أقرب الناس ليه بيكبر عشر سنين في لحظة.
سألتها
طب ليه ما واجهتيهمش من الأول؟
ردت بهدوء
عشان اللي بيطمع مرة ممكن يرجع. لكن اللي بيغرق في الطمع لازم يتكشف قدام نفسه قبل الناس.
ومن هنا بدأت خطتها.
ادعت إنها بتنسى
بتتلخبط في الكلام
تنسى أسماء الناس
وفي نفس الوقت كانت بتخبي كاميرات صغيرة في البيت وتجمع كل دليل ممكن.
لكن المشكلة إن صحتها فعلًا بدأت تضعف بعد سنين الضغط.
وكانت خاېفة ټموت قبل ما الحقيقة تظهر.
وهنا بقى دخل دوري أنا من غير ما أعرف.
قالت لي وهي بتضحك
أول يوم ډخلتي البيت بعد جوازك من خالد شفت في عيونك حاجة.
قلت باستغراب
إيه؟
قالت
الرحمة.
وسكتت لحظة وبعدين كملت
كنت عارفة إنك مش شبههم.
الأيام اللي بعدها كانت هادية لأول مرة من زمان.
الشقة بقت مليانة نور
مش خوف.
رجعنا ننضف الأوضة الصغيرة اللي كانوا حابسينها فيها.
رمينا الحاجات القديمة، وفتحنا الشباك يدخل هوا الشمس.
وفي مرة وأنا برتب الدولاب لقيت صندوق خشب صغير.
فتحته
جواه صور قديمة.
صور للست دولت وهي صغيرة، واقفة قدام عمارات لسه تحت البناء.
صور لجوزها الله يرحمه وهو لابس خوذة مهندس.
وصورة صغيرة لخالد وهو طفل بيضحك.
بصت للصورة دي وسكتت.
قلت لها
لسه زعلانة منه؟
هزت رأسها وقالت
الأم عمرها ما تكره ابنها بس ممكن تحزن منه.
بعدها بشهر تقريبًا، حصلت حاجة ماكنتش متوقعة.
حد خبط على الباب.
فتحت لقيت راجل لابس بدلة أنيقة.
قال
أنا المحامي اللي كان ماسك قضية الست دولت.
دخل وقعد معانا.
وطلع ورق جديد.
قال إن في أملاك تانية باسمها في محافظات مختلفة، ولسه الإجراءات بتخلص عشان ترجع بالكامل.
بصت لي الست دولت وقالت
شايفة يا نور؟ الدنيا لسه فيها مفاجآت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعدها بأيام قليلة.
في ليلة هادية كنا قاعدين بنتفرج على التلفزيون.
وفجأة قالت لي
نور.
قلت
نعم يا تيتة؟
قالت بهدوء شديد
أنا خلاص ارتحت.
قلبي اتقبض.
قلت بسرعة
ارتاحتي من إيه؟
ابتسمت وقالت
من الخۏف.
وسكتت.
وبعد لحظات مالت راسها على الكرسي.
نفسها كان هادي جدًا
لكنها ما صحيتش بعدها.
الست دولت مشيت في نفس الهدوء
اللي عاشت بيه آخر أيامها.
لكن قبل ما تمشي كانت رتبت كل حاجة.
في الوصية كتبت إن البيت ده يبقى مركز صغير لرعاية كبار السن اللي أهلهم سابوهم.
وكتبت اسمي أنا كمسؤولة عنه.
وأول ما فتحت الوصية دموعي نزلت.
لأن في آخر سطر كانت كاتبة جملة واحدة
نور الإنسان اللي بيختار الرحمة ربنا بيختاره عشان يصلح الدنيا.
ومن يومها حياتي اتغيرت تمامًا.
البيت اللي كان مليان ظلم بقى مليان ناس محتاجة حضڼ.
كل أوضة فيه بقت قصة.
وكل مرة بدخل الأوضة اللي كانت الست دولت محپوسة فيها
أفتكر إن العدالة أحيانًا بتاخد وقت طويل
لكن لما بتيجي
بتيجي ومعاها نور يكفي عمر كامل.