سر عمي اللي رباني


ماكنتش أعرفه، كنت أعيط أوقات من الإحباط، وأفتكر إن يمكن أسيب كل ده وأرجع كرسيي اللي اتعودت عليه، لكن في كل مرة كنت بتخيل عمي قاعد يتفرج عليّ وهو بيحاول يتعلم يسرح لي شعري من فيديو على الموبايل، راجل في الخمسين بيبدأ من الصفر عشاني، فكنت أقول لنفسي وأنا كمان هبدأ من الصفر عشاني، بعد ست شهور، جه اليوم اللي الدكتورة قالت لي نجرب نقف بمساعدة جهاز، قلبي كان هيطلع من صدري، حطوا الحزام حوالين خصري، ومسكت في القضبان، وحاولت أضغط برجلي على الأرض، في الأول مفيش استجابة، وبعدين حاجة بسيطة جدًا، رعشة خفيفة، يمكن غير ملحوظة لأي حد، لكنها بالنسبة لي كانت زلزال، دموعي نزلت وأنا واقفة لأول مرة من سنين، يمكن مش واقفة لوحدي، يمكن متسنّدة على أجهزة وناس، لكن واقفة، حسيت إني برد على الرسالة بطريقة عملية، مش بكلام، ومع الوقت الرعشة بقت خطوة صغيرة بمساعدة، وبعدين خطوتين، المشي كان تقيل وبطيء ومليان خوف، لكن كل خطوة كانت بتفك قيد من قلبي، رجعت مصر بعدها وأنا مشيّي لسه محتاج عكازين، لكني مش نفس هنا اللي سافرت، بدأت أحكي قصتي على السوشيال ميديا، مش عشان أفضح حد، لكن عشان أقول إن الحقيقة حتى لو موجعة ممكن تبقى بداية شفاء، ناس كتير بعتت لي تحكي عن أسرار اتدفنت في بيوتها، عن آباء غلطوا وندموا، عن أولاد متلخبطين بين الحب والڠضب، حسيت إني مش لوحدي، وفي يوم جالي تعليق من حد كتب لي يمكن عمك غلط، لكن واضح إنه رباكي صح، الجملة دي فضلت ترن في ودني، آه هو غلط، وغلطته كسرت حياتي، لكن اختياره بعدها إنه يتحمل مسؤوليتي ويعيش عشاني كان اختيار واعي كل يوم، وده علمني إن الإنسان مش لحظة واحدة، لا لحظة غلط ولا لحظة صح، هو مجموع اختياراته اللي بعدها، بعد سنة تقريبًا قدرت أمشي مسافة قصيرة من غير عكاز، خطوة ورا خطوة، ببطء، بتركيز، كنت حاسة بالأرض تحت رجلي كأنها أول مرة ألمسها، رحت المقاپر يومها، وقفت قدام قپره، ووقفت فعلًا من غير سند، وقلت له بصوت واطي أنا سامحتك، مش عشان أنسى، لكن عشان أكمل، يمكن لو كان عايش وقلت له كنت هتخانق معاه وأصرخ في وشه وأقوله إنه سرق مني أهلي وطفولتي، لكن وهو تحت التراب فهمت إن المسامحة مش هدية له، دي هدية لنفسي، من ساعتها وأنا مكملة، بشتغل، وبسافر، وبحلم، ورجلي يمكن لسه مش كاملة، لكن قلبي بقى أقوى، وعرفت إن الحقيقة حتى لو اتأخرت عشرين سنة، لما بتطلع للنور بتوجع الأول، لكنها بعد كده بتفتح طريق، وأنا اخترت أمشيه، خطوة خطوة، بإرادتي أنا، مش بإرادة حاډثة، ولا بغلط حد، ولا
بسر مدفون، لكن بقصة كاملة من البداية للنهاية، قصة ألم وحب وذنب وغفران، والأهم قصة بداية جديدة.