عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والمۏت لن يُصدّق!


دماغك يتكيف. تحتاجين إلى الراحة لكن عليك التغذية أولا.
أدرت رأسي نحوه ببطء وعيناي فارغتان. شكرا يا أبي. معك حق.
بينما اقتربت المرأة بالملعقة التقطت رائحة تنبعث منها. لم تكن عطر اللافندر الذي اعتادت أمي وضعه. بل شيء آخر خاڤت لكنه واضح. رائحة أرض رطبة وهواء قبو مغلق منذ سنين ممزوجة بعبير أزهار متعفنة. رائحة ركود قديم. حبست أنفاسي.
أنت تتعرقين يا إيلا قالت بنبرة تغيرت إلى فضول بارد. هل أنت خائڤة
لا أجبت سريعا. فقط الجو دافئ. هل يمكنني العودة إلى غرفتي أظنني بحاجة للنوم.
توقفت. ساد صمت مشدود. كأن الغرفة كلها تحبس أنفاسها. لمحت بطرف عيني أنها تحدق في عيني تبحث عن انعكاس يدل على أنني أرى ابتسامتها المشوهة.
بالطبع قالت أخيرا. دعيني أساعدك.
أستطيع بنفسي قلت بسرعة ثم خففت نبرتي. لقد تنقلت في هذا المنزل ثلاثة أشهر. أعرف الطريق.
نهضت متحسسة الجدران كما كنت أفعل حين كنت عمياء. لامست أصابعي ذراعها كان باردا برودة لحم في ثلاجة. قاومت رجفة وسرت نحو الدرج.
قال الرجل سنكون في الأسفل إن احتجت شيئا. لا تقفلي الباب فقد نطمئن عليك.
حسنا يا أبي.
صعدت الدرج أعد الخطوات بصوت خاڤت. ما إن ابتعدت عن مجال رؤيتهما حتى ركضت إلى غرفتي وأغلقت الباب وأدرت المفتاح. بدا صوت الإغلاق مدويا.
ظللت أحدق في الخشب أنتظر أن يتحرك المقبض أو أن يتشقق الباب تحت ضړبة مفاجئة.
لا شيء.
أطلقت زفيرا كان أقرب إلى شهقة مخڼوقة ثم سقطت على السرير. كان عقلي يركض بلا توقف يحاول أن يلم شظايا الواقع الذي تهشم دفعة واحدة.
قبل ثلاثة أشهر أخذ مني الحاډث كل شيء بصري استقلالي إحساسي بالأمان. كان والداي سندي. باعا منزلنا وانتقلنا إلى هذه الفيلا المستأجرة في الريف منعزلة هادئة تبدو
مثالية للتعافي فقط ليتفرغا لرعايتي. أما زوجي نوح الطيار في شركة طيران كبرى فقد كان مكسورا من أجلي. اضطر إلى الاستمرار في العمل ليؤمن حياتنا لكنه كان يزورني كلما استطاع.
نظرت حولي. الغرفة نفسها التي عشت فيها أشهرا لكن بعدما أبصرتها بدت غريبة. ورق الجدران يتقشر عند الزوايا والستائر ثقيلة رمادية تحجب ضوء النهار.
كنت بحاجة إلى نوح.
اندفعت إلى المنضدة قرب السرير أبحث عن هاتفي. كانت يداي ترتجفان حتى كدت أسقطه. قربته من وجهي وخفضت سطوع الشاشة إلى أدنى حد مذعورة من أن يتسرب الضوء من تحت الباب فيفضحني.
اتصلت برقم نوح.
أجب أرجوك أجب.
رنت مرة. مرتين.
إيلا
كان صوته طوق نجاة. ضغطت الهاتف على أذني بقوة حتى آلمتني. نوح همست واڼفجرت الدموع أخيرا. نوح هل أنت معي
أنا معك يا حبيبتي. لقد هبطت للتو. كنت على وشك أن أتصل بك. ما الذي حدث صوتك هل تبكين
اسمعني قلت بصوت هامس حاد بالكاد يخرج من بين شفتي. عليك أن تأتي إلى هنا. الآن. هناك شيء غير طبيعي. شيء فظيع.
اهدئي يا إيلا. ماذا حدث هل سقطت هل تأذيت
لا أنا أنا أرى يا نوح. عاد إلي بصري هذا الصباح.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر. أنت ماذا إيلا هذا هذا مذهل! إنها معجزة! لماذا تهمسين هل أخبرت والديك
هنا المشكلة قلت وصوتي يتشقق. نوح الأشخاص في الأسفل ليسوا والدي.
ماذا تقصدين انقلب صوته من الفرح إلى الحيرة. إيلا يا حبيبتي مررت پصدمة كبيرة. ربما رجوع البصر يربكك. الأطباء قالوا
لا! قاطعته پعنف. أنا أعرف شكل أمي! أعرف شكل أبي! الذين في الأسفل أصواتهم مثلهم يعرفون اسمي يعرفون البيت لكنهم غرباء. هم وحوش يا نوح. المرأة عيناها ضخمتان ومعظمها أبيض وتبتسم كأنها ترتدي قناعا. والرجل ليس