زوّجوها لشحّاذ لأنها عمياء ولم يكونوا يعلمون من هو زوجها الحقيقي!


بثبات. ثم جاء التحول غير المتوقع. وقف يوشع وقال 
لن أتوج ملكا حتى تقبل زوجتي وتكرم في هذا القصر وإن لم يحدث ذلك فسأغادر معها.
امتلأت القاعة بالهمهمات. شعرت زينب بقلبها يخفق وهي تنظر إليه. لقد أعطى كل شيء من أجلها. همست 
هل ستتخلى عن العرش من أجلي
نظر إليها بعينين تشتعلان شغفا وقال 
فعلت ذلك مرة وسأفعله مرة أخرى.
وقفت الملكة وقالت 
ليعلم من هذا اليوم فصاعدا أن زينب ليست زوجتك فحسب بل هي الأميرة زينب من البيت الملكي. ومن يسيء إليها يسيء إلى التاج.
ساد الصمت المكان. كان قلب زينب يخفق لا خوفا هذه المرة بل قوة. كانت تعلم أن حياتها ستتغير لكنها ستتغير وفق شروطها هي. لن تكون ظلا بعد الآن بل امرأة وجدت مكانها في العالم. والأهم من ذلك ولأول مرة لم يكن مطلوبا منها أن ترى لجمالها بل للحب الذي تحمله في قلبها.
انتشر خبر قبول زينب أميرة في البلاط الملكي بسرعة في أنحاء المملكة. بدأ النبلاء الذين حيرتهم في البداية إصابة الأميرة الجديدة بالعمى يرون ما وراء إعاقتها ويكتشفون أن في هذه المرأة ما لا تراه العيون. وما أظهرته زينب من كرامة ثابتة وقوة هادئة وقبل كل شيء حبها غير المشروط ليوشع جعل كثيرين ممن شككوا فيها بالأمس يراجعون أنفسهم اليوم. لم يكن احترامهم لها وليد شفقة أو مجاملة للعرش بل بدأ ينبت من إدراك متدرج أن لهذه الأميرة حضورا لا يقوم على المظهر بل على الجوهر.
غير أن الحياة في القصر لم تكن طريقا معبدا بالقبول. فمع أن زينب وجدت مكانها إلى جانب يوشع فإن التحديات كانت كثيرة لأن البلاط الملكي ليس مجرد جدران مزينة وثريات مضيئة بل عالم مكتظ بالمكائد وبالأقنعة التي تتبدل مع كل لقاء وبأشخاص لكل منهم مصلحة خفية تحركه. كان بين النبلاء من رأى في زينب ټهديدا للتقاليد لا لأنها امرأة جديدة في القصر فحسب بل لأنها كسرت صورة قديمة كانوا يتشبثون بها صورة الأميرة التي تقاس قيمتها بما تظهره للناس لا بما تحمله في قلبها. كانت الهمسات في الممرات لا تهدأ وتتكاثر كظلال تتبع خطواتها. وكانت العيون التي تراقبها لا تحمل دائما ودا وبعضها كان يتربص ينتظر لحظة ضعف أو زلة ليقول أرأيتم لم تكن جديرة.
ومع ذلك تعلمت زينب أن ترى العالم بطريقة أخرى. لقد حرمت من الضوء الذي تتلقاه العين لكنها امتلكت ضوءا مختلفا يتسلل إلى المعاني. كانت تلتقط النوايا من نبرة الصوت ومن تردد الكلمات أو اندفاعها ومن الصمت الذي يطول في غير موضعه. كانت تفهم أن الابتسامة قد تكون قناعا وأن المجاملة قد تحمل سما ناعما وأن بعض الأسئلة تطرح لا بدافع الفضول بل بدافع الاختبار. وأمام هذا كله لم تتراجع بل بدأت تبني داخلها ميزانا يميز بين من يقترب بصدق ومن يقترب ليرى إن كانت ستنكسر.
وفي أحد الأيام وبينما كانت تتنزه في حدائق القصر إلى جانب يوشع كانت خطواتهما تسير ببطء على الممرات الحجرية والنسيم يمر من بين الأشجار كأنه يهمس بأسرار المكان. توقفت زينب لحظة وأرهفت السمع لصوت الماء البعيد ولصدى العصافير فوق الأغصان ثم شعرت بتلك الغصة القديمة تصعد من أعماقها. تأملت كل ما مرت به طفولتها خلف الأبواب نظرات الشفقة أو الاحتقار كلمة ذلك الشيء التي

كانت تلقى عليها كأنها حجر. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لقبولها ظل شيء ما يقلقها شعور بأنها لم تقبل تماما بعد. ولم يكن هذا القلق