وجدتُ أمًّا مربوطةً إلى شجرة… وأفعوين عملاقتين تتقدمان نحو طفلها!


مارينا.
كتم دييغو بكاءه كأنه يفهم.
لا شيء. ذهبوا إلى الأمام.
انطلقت الشاحنة.
نحو مزرعتي.
نظرت إلي مارينا وعاد الړعب إلى عينيها.
سينتظرونك هناك.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئا أخطر من الأفاعي.
الأفاعي تهاجم بدافع الجوع.
أما رجال مثل إفراين فيهاجمون بدافع الكبرياء.
لكن ما لم نكن نعلمه بعد
أن تلك الليلة لن يكون الجبل هو الأخطر.
الأخطر كان ينتظرنا بالفعل.
وفهمت.
لم تعد بيتي ملاذا.
لم يعد ذلك الباب الخشبي الذي كنت أغلقه خلفي كل مساء يعني أمانا.
صار يعني شيئا آخر
فخا.
المكان الذي سيجلسون فيه منتظرين بصبر بارد وبعيون لا تعرف الرحمة.
بيت أعرف زواياه نعم.
لكنهم يعرفون أنه بيتي وهذا وحده يجعلني ضعيفا.
لأن من يملك عنوانك يملك نصفك.
نظرت إلى مارينا.
كانت تضغط دييغو إلى صدرها كأنها تستطيع أن تخبئه داخل ضلوعها.
لم تكن تبكي لكنها كانت ترتجف كأن الهواء نفسه يتحول إلى سكاكين حولها.
وأنا على الرغم من كل ما تعلمته عن الهرب أدركت أن الهرب وحده لن ينقذنا.
كان علينا أن نختفي لكن على طريقتي.
تذكرت الكوخ المهجور قرب الجدول.
سقف مائل من صفائح صدئة وجدران طينية متشققة وباب لا يغلق إلا إذا أقنعته أن يفعل.
لم يقترب منه أحد منذ أن ماټ العامل العجوز فيه ليلة برد قاسېة ليلة قالوا بعدها في القرية من يدخل ذلك المكان يعود منه ناقصا.
سنذهب إلى هناك قلت.
لم تكن خطة جيدة.
لم تكن حتى خطة.
كانت الغريزة وهي أصدق شيء حين يضيق الوقت.
سرنا بين الشجيرات والأشواك.
كانت الليلة تهبط كثيفة كأنها تلقى علينا عمدا لتعمي العيون.
كانت الريح تحمل رائحة تراب رطب ورائحة نباتات جافة ورائحة خوف خفيف لا يراه أحد لكنه يشبه العرق البارد.
تعثرت مارينا مرة. رفعتها.
لم أتذمر. لم أقل شيئا.
لكنني شعرت
بعظامها ترتجف تحت يدي كما لو كانت قطعة خشب مبتلة.
تعثرت ثانية.
وكاد الرضيع يفلت من بين ذراعيها.
مددت يدي تلقائيا والتقطته قبل أن يمس الأرض.
كان دييغو دافئا.
صغيرا إلى درجة تخيفني.
يتنفس بسرعة كأن جسده لا يثق بأن الهواء سيبقى في العالم طويلا.
كان صغيرا أكثر مما يحتمل كل ذلك الحقد.
وأنا أعرف الحقد
لقد رأيته في وجوه رجال يبتسمون وهم يقررون مصير غيرهم.
وصلنا إلى الكوخ.
دفعت الباب.
صر صريرا حادا كأنه ېصرخ لماذا عدتم
أمسكته بسرعة وهدأته بيدي ثم دخلنا.
في الداخل رائحة رطوبة قديمة
رائحة زمن لم يأت أحد لينهيه.
رائحة جدران تتذكر ما مر عليها وأرض لم تطأها قدم منذ زمن.
استريحي قلت.
لم يكن في صوتي حنان كبير.
كان حذرا.
فالحنان في مثل هذه الليالي قد يتحول إلى غفلة.
أنا لم أجلس.
بقيت عند المدخل والسکين في يدي.
لا سلاح لدي سوى تلك النصل الصغيرة
وسوى تينتو.
كان تينتو إلى جواري من دون أن يغلق عينيه.
لم يكن ينبح.
كان يسمع.
كانت أذناه تتحركان مع كل ذبذبة في الهواء كأنه يقرأ الليل.
لم يكن الجبل صامتا.
كان ينتظر.
وكنت أعرف هذا النوع من الصمت
الصمت الذي يسبق الکاړثة.
لم أنم.
كنت أسمع أنفاس مارينا وهي تحاول أن تخفي ارتجافها كي لا يوقظ دييغو.
وأسمع خفقان قلبي مثل مطرقة ټضرب باب صدري.
وأسمع شيئا آخر
شيئا بعيدا غير واضح مثل زمجرة تختبر نفسها قبل أن تصبح صړخة.
عند الفجر مزقت أصوات المحركات الهواء.
هذه المرة لم تكن شاحنة واحدة.
كانت عدة سيارات.
صوتها لم يكن مثل صوت أي مركبة تمر في الطريق صدفة.
كان صوتا يبحث.
صوتا يعرف أنه قريب من الهدف.
وقف تينتو دون نباح فقط شد جسده.
ثبتت أظافره في الأرض كأنه يقول جاءوا.
وجدونا همست مارينا.
كانت همستها مثل سکين صغيرة في ظهري.
في تلك اللحظة أدركت أمرا واضحا
لم يأتوا من أجل الطفل.
جاؤوا من أجلي.
لأنني كسرت خطتهم.
لأنني قلت لا حيث أرادوا الجميع أن يصمتوا.
ولأن من يفعل ذلك في عالمهم يجب أن يدفع الثمن.
من الخارج اخترق صوت إفراين