الضحېة


وتقرأ لها الجريدة لأن بصرها كان يضعف ثلاث كعكات وكوب حليب.
كانت تقول لأبي عندما يشتكي أنها قاسېة علينا
لن أربي أطفالا ضعفاء. العالم سيمضغهم ويبصقهم إذا ظنوا أن السعادة شيء يمكن تنزيله أو طلبه عبر تطبيق. يجب أن يعرفوا كيف يبنونها.
كنا نكره ذلك. أردنا أن نكون مثل بقية الأطفال الذين يحصلون على مصروف لمجرد وجودهم. أردنا الحياة السهلة.
ثم ضړب الركود بلدتنا بقوة. أغلق المصنع. وفقد أبي عمله.
بينما كانت العائلات الأخرى في حالة ذعر بدأت الجدة بيتي تعمل ليس في وظيفة بل في المجتمع. علمتنا كيف نصلح الملابس حتى لا نشتري جديدة. علمتنا كيف نزرع الخضروات في الفناء حتى لا نجوع.
بادلت الكعك بالحطب.
وبادلت دروس التعليب بإصلاح السيارات.
نجت. وبفضلها نجونا نحن أيضا.
علمتنا أن الكرامة ليست في حسابك البنكي بل في يديك.
الأسبوع الماضي ټوفيت الجدة بيتي أثناء نومها. كانت في الثانية والتسعين. أصرت على العيش في ذلك المنزل القديم البارد حتى النهاية رافضة الانتقال إلى دار رعاية. مستقلة حتى آخر نفس.
كانت الچنازة مكتظة. توقعت أن تكون عائلية فقط.
لكن دار الجنازه كانت ممتلئة حتى الوقوف.
الميكانيكي الذي كان يصلح شاحنتها مجانا لأنها كانت تحضر له الغداء.
الطبيب الشاب الذي قال إن بيتي شجعته على الدراسة حين طلب منه والداه أن يستسلم.
لم يتحدثوا عن قسۏتها.
تحدثوا عن صلابتها.
بعد الډفن عدنا إلى المنزل لفرز أغراضها. كان المكان هادئا تفوح منه رائحة الغبار والورق القديم.
توجه بصري مباشرة إلى المنضدة.
كان البرطمان الخزفي هناك.
اقتربت وقلبي مثقل متوقعا أن أجد دفعة أخيرة من كعك الدبس. أردت طعما أخيرا من طفولتي. مكافأة أخيرة.
رفعت الغطاء الثقيل.
كان فارغا.
لأول مرة منذ أربعين عاما كان البرطمان خاليا. لا فتات. لا حلاوة.
ضاق حلقي. شعرت وكأنها تخلت عنا.
لكنني رأيت ورقة دفتر مطوية في القاع.
مددت يدي المرتجفة وأخرجتها. كان خطها المرتعش المتأثر بالتهاب المفاصل واضحا.
إذا كنت تبحث هنا فأنت تبحث في المكان الخطأ. لم أبق هذا البرطمان ممتلئا لأطعم معدتك. أبقيته ممتلئا لأطعم روحك.
لم تعد بحاجة إلي. انظر إلى يديك. انظر إلى حياتك. أنت تعرف كيف تعمل. تعرف كيف تهتم. تعرف كيف تقف شامخا عندما تعصف العاصفة.
البرطمان فارغ لأنك أصبحت ممتلئا أخيرا. والآن اذهب واملأ برطمان شخص آخر.
انهرت في المطبخ أضم الورقة إلى صدري.
لم تترك لنا لا شيء
بل تركت لنا كل شيء.
نظرت إلى ابني جالسا على الأريكة ملتصقا بجهازه اللوحي يشتكي من بطء الإنترنت.
مسحت دموعي. اقتربت منه أخذت الجهاز برفق من يديه وأشرت إلى الفناء الخلفي حيث العشب بدأ يطول.
قلت له
تريد كلمة مرور الواي فاي
نظر إلي باستغراب.
وضعت البرطمان الخزفي الفارغ على الطاولة.
اذهب واجعل العالم أفضل قليلا أولا.
إن بقيت هذه القصة معكإن لامست شيئا عشتهفضلا إضغط ب وشاركه مع من يحتاجه. شكرا لوجودك هنا