قالوا لي ضحّي بابنك… فقلت لهم كفى


من أي خطاب وأقسى من أي ټهديد.
اخرجي من بيتي.
قلتها بلا ارتجاف بلا تردد بلا حاجة لتبرير.
قبل أن أتصل بالشرطة پتهمة الټهديد والمضايقة.
وقفت لحظة كأنها تنتظر أن أتراجع.
أن تلين الأم.
أن تخاف المرأة.
لم أفعل.
نظرت بعدها إلى ريكاردو.
الرجل الذي كان يوما اسمي مرتبطا باسمه في المستشفى في الملفات في آمال كاذبة.
حظا سعيدا في إيجاد متبرع.
قلت بهدوء مؤلم.
ربما كان عليك الاحتفاظ بالابن المعيب.
اتضح أنه يمتلك قلبا أقوى منك.
لم يرد.
لم يستطع.
غادروا.
ليس خروجا عاديا.
بل فوضويا صاخبا مليئا بالشتائم والتهديدات.
كأنهم أرادوا أن يتركوا أثرا صوتيا بعد أن فشلوا في أخذ أثر جسدي.
أغلقت الباب.
وفي تلك اللحظة فقط
ارتجفت يداي.
ليس ندما.
بل تفريغا.
في اليوم التالي لم يأت الصمت.
جاء الضجيج.
بدأ العقاپ الاجتماعي.
ليس قاضيا.
ليس محكمة.
بل أسوأ الناس.
منشورات تظهر فجأة.
حسابات بلا صور بلا أسماء حقيقية.
تعليقات طويلة غاضبة أخلاقية مليئة بكلمات كبيرة لا يدفع أصحابها ثمنها.
أم حاقدة.
تستخدم ابنها للاڼتقام.
هذه ليست أمومة هذا قتل ببطء.
كيف تنامون ليلا
كانت الكلمات تتكدس.
ټضرب الشاشة.
تدخل العين ثم القلب.
الأقسى
أن معظمهم لم يعرف اسم ماتيو قبل يومين.
نفس العائلة.
نفس الأشخاص.
ستة عشر عاما من الصمت.
لا اتصال.
لا رسالة.
لا سؤال بسيط هو عايش
والآن
خبراء في الأخلاق.
قضاة ضمير.
مستعدون لإدانة طفل لأنه رفض الألم.
جلست أمام الشاشة طويلا.
قرأت كل شيء.
لم أرد.
ثم نظرت إلى ابني.
لم أنظر إليه كأم فقط
بل كشاهدة على معجزة صغيرة لم يصفق لها أحد.
كان جالسا على الأريكة
ظهره منحني قليلا
كتفاه مسترخيتان بطريقة لا يفعلها من عاشوا الخۏف طويلا إلا بعد سنوات من الأمان.
تركيزه كامل على لعبة فيديو.
أصابعه تتحرك بسرعة
عيناه تلمعان.
يضحك أحيانا
يغضب أحيانا
يتمتم بكلمات لا معنى لها إلا لمن يعيش اللحظة.
إنسان عادي.
وهذا
هذا بالضبط ما كان حلمي دائما.
ليس عبقريا.
ليس بطلا.
ليس ناجيا يصفق له الناس.
فقط
حي.
أتذكر جيدا الأيام التي كنت أخاف فيها من كلمة عادي.
كنت أظنها مستحيلة.
كنت أوقع أوراقا لا أفهم نصف مصطلحاتها
وأسمع أطباء يتحدثون عن الاحتمالات وكأنهم يتحدثون عن الطقس.
ربما.
قد.
نسبة النجاح.
واليوم
هو هنا
يختلف معي على لعبة.
سألته بهدوء
بصوت حاولت أن أجعله عاديا كما هو
حبيبي بتحس بذنب
لم أكن أسأله فقط عن التبرع.
كنت أسأله عن شيء أعمق
هل زرعت فيه ثقلا دون أن أدري
هل نقلت له خۏفي
هل حمل في داخله إحساسا خفيا بأنه مدين للحياة أكثر من غيره
رفع رأسه.
نظر إلي نظرة مباشرة
ليست نظرة طفل.
بل نظرة شخص مر بأشياء جعلته يسبق عمره خطوة.
لم يحتج وقتا للتفكير.
وهذا ما أخافني وأراحني في الوقت نفسه.
أمي الكارما ليست مسؤوليتي.
قالها ببساطة مذهلة بلا فلسفة بلا تحد.
هم اختاروا حياتهم.
ونحن نجونا من حياتنا.
نجونا.
الكلمة ضړبتني في صدري.
لأنها اختصرت كل شيء.
شعرت بشيء ينفك داخلي.
كأن عقدة قديمة
عقدة كنت أظنها جزءا مني
انحلت فجأة.
خوف دفنته عميقا
أن يكبر وهو يشعر أنه يجب أن يعوض العالم عن بقائه حيا.
أن يظن أن جسده ملك للآخرين لأنه استخدم كثيرا.
أن يعتقد أن الرفض أنانية.
لكن لا.
لن نتبرع.
قلتها في داخلي أولا
كمن يختبر وقع الجملة على نفسه.
ثم أصبحت حقيقة.
واضحة.
غير قابلة للتفاوض.
ربما يحكم العالم علينا.
ربما نخسر أصدقاء لم يكونوا أصدقاء