قالوا لها دافعي عن نفسك فأسقطت أقوى مدير في الشركة


فوضى فقط شاشة مضاءة وملف مغلق بعناية.
وقف لوران قرب النافذة الزجاجية ينظر إلى المدينة التي لا تنام.
لم يكن الوقت مناسبا للحديث العابر.
قالت إيزابيل مباشرة من دون تمهيد
هناك مشكلة.
شعرت ميا بانقباض مفاجئ في صدرها ذلك الشعور القديم الذي كانت تعرفه جيدا شعور يسبق العواصف.
سألت بهدوء حاولت أن تخفي به ارتجافها
ما نوعها
قالت إيزابيل
أموال مفقودة من أحد الفروع.
توقف الزمن لثانية في أذني ميا.
كم
تبادلت إيزابيل ولوران نظرة سريعة ثم قالت
كثير. بما يكفي ليفتح تحقيقا رسميا. وبما يكفي ليجعل البعض يبحث عن كبش فداء سريع.
ارتجفت أصابع ميا رغم محاولتها السيطرة عليها.
لم تقل شيئا في البداية ثم سألت بصوت منخفض
وأنا
قال لوران من مكانه قرب النافذة بصوت هادئ لكنه ثقيل
تم التلاعب بسجلات الدخول. وأنت متدربة جديدة. الاتهام سهل ومريح للبعض.
شعرت ميا وكأن الأرض تميل قليلا تحت قدميها لا سقوطا كاملا بل ذلك الميل الخادع الذي يسبق الاڼهيار.
لم يكن شعورا جديدا عليها عرفته في ليال كثيرة من قبل لكن هذه المرة كان مختلفا. هذه المرة لم يكن الخطړ فقرا أو طردا بل ضياع شيء بنته ببطء حجرا فوق حجر.
ترددت لحظة.
مرت في رأسها صور متداخلة وجه والدها وهو يوصيها ألا تساوم على الحق أول يوم دخلت فيه هذا المبنى وهي تشعر بأنها دخيلة ثم تلك اللحظة في المطعم حين وقفت بدل أن تركع.
رفعت رأسها أخيرا وسألت بصوت حاولت أن تبقيه ثابتا
ماذا أفعل
نظرت إيزابيل إليها طويلا.
لم تكن نظرة تعاطف ولا اتهام ولا حتى تشجيع.
كانت نظرة وزن دقيق كأنها تضع ميا على كفة ميزان وتنتظر أن ترى إن كانت ستصمد.
قالت أخيرا ببطء محسوب
دافعي عن نفسك. لكن ليس بالدموع ولا بالانفعال ولا بالاستعطاف. بالحقيقة فقط. إن كانت معك فستكفي.
خرجت ميا من المكتب وهي تشعر بثقل جديد يستقر على كتفيها.
لم يكن الخۏف وحده بل وعيا حادا بأن كل ما حققته في الشهور الماضيةثقة احتراما فرصةيمكن أن يتبخر في لحظة واحدة إن أخطأت خطوة واحدة.
مرت الليلة الأولى بلا نوم.
كانت مستلقية على سريرها تحدق في السقف تعيد ترتيب الاحتمالات في ذهنها.
وفي الليلة الثانية لم تعد تحاول النوم أصلا.
ثلاثة أيام لم تعرف فيها معنى الراحة.
عاشت بين الشاشات والجداول والسجلات الإلكترونية.
انتقلت من ملف إلى آخر ومن نظام إلى نظام تقارن الأرقام كما لو كانت تحاول سماع نبض خفي بينها.
كانت تراجع الطوابع الزمنية بعين مجهدة وتدون ملاحظات صغيرة على دفتر مهترئ ملاحظات لا يراها أحد لكنها كانت تشعر بأنها تمسك بالخيط الرفيع الذي قد ينقذها.
في اليوم الثاني لفت انتباهها أمر بدا في البداية تافها.
دخول متكرر إلى النظام في أوقات محددة ثم خروج سريع بلا تعديل ظاهر.
أغلقت الملف ثم عادت إليه.
شيء ما لم يكن مريحا.
وفي اليوم الثالث حين قارنت تلك الأوقات بسجلات الحضور أدركت أن الأمر لم يكن صدفة.
كان نمطا.
صغيرا.
غير متسق.
يتكرر دائما في ساعات لم تكن فيها داخل المبنى أصلا ولا حتى في المدينة أحيانا.
اسم واحد ظل يظهر في خلفية السجلات لا في الواجهة بل في الهوامش حيث تختبئ الأشياء التي لا تريد أن ترى.
فيكتور هيل.
لم تشعر ميا بالانتصار.
ولا بالڠضب.
شعرت فقط بثقل الحقيقة وهي تستقر في صدرها.
الحقيقة ليست مريحة لكنها واضحة والوضوحكما تعلمتقوة.
في اجتماع المجلس كانت القاعة ممتلئة بوجوه اعتادت الحسم وبأصوات تعودت أن يصغى لها.
وقفت ميا أمامهم ويديها ترتجفان قليلا لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.
عرضت البيانات بهدوء.
شرحت التوقيتات بندا بندا.
ربطت بين السجلات الإلكترونية والتسجيلات الأمنية وأشارت إلى التناقضات دون أن ترفع صوتها.
لم تتهم أحدا صراحة
ولم تسم الجشع
باسمه.
تركت الأرقام