تنكّرتُ كمشرّدة لأختبر أولادي… فكانت الصدمة أقسى مما توقعت


لي بالدخول. كان يرتدي معطفه الأبيض الناصع يستعد للذهاب إلى المستشفى.
سألني وهو يمسحني بنظرة طبية باردة
أمي هل هذه مزحة
قلت
ليست مزحة يا بني. أنا مفلسة. أحتاج إلى مساعدة.
تنهد بضيق طويل كما لو تعطل نظام المستشفى. عدل ساعة رولكس في معصمه.
أمي الأمر معقد. تعلمين أن زوجتي دقيقة جدا في النظافة والترتيب. ولدينا زيارات مرتبة. ثم لدي جراحة قلب مفتوح بعد ساعتين أحتاج إلى تركيز كامل لا أستطيع التعامل مع الدراما.
قلت وأنا أبتلع الغصة
ليست دراما يا ميغيل. أنا جائعة. ولا مكان أنام فيه.
أدخل يده في جيبه وأخرج محفظة جلدية إيطالية. سحب ورقة نقدية من فئة خمسمئة بيسو.
خذي ومد يده من بعيد متجنبا أي تماس اذهبي إلى فندق رخيص. اشتري طعاما وحذاء رخيصا. غدا أطلب من سكرتيرتي أن تبحث لك عن دار رعاية أو شيء حكومي.
قلت وكأنني تلقيت صڤعة
دار رعاية يا ميغيل أنا دفعت لك دراسة الطب. وأنا اشتريت لك هذا البيت. ثم تعطيني خمسمئة بيسو ودار رعاية
اشتد وجهه وتصلبت فكه.
لا تذكريني بالماضي يا أمي. ذلك كان واجبك كأم. الآن خذي المال واذهبي. إن رآك الجيران هكذا سيظنون أنني ابن سيئ وهذا يؤثر على سمعتي. وسمعتي هي التي تدفع فواتيري.
أخذت الورقة. كانت مجعدة. وضعتها في كيسي البلاستيكي قرب كرامتي المتكسرة.
قلت
باركك الله يا بني.
رد ببرود
نعم نعم أيا يكن. استحمي من فضلك. رائحتك كرائحة المترو.
ثم استدار ودخل حصنه الزجاجي الفولاذي.
بقيت وحدي في ممر الخدمة وخمسمئة بيسو في يدي وقلب فارغ. كان لدي جوابان. ابنان يفضلان صورتهما على أمهما. ابنان عند أول إشارة لمشكلة يرميانني كخرقة بالية.
بقيت لي ورقة واحدة الأصعب.
كان دانيال يعيش في الطرف الآخر من المدينة عند الحدود مع ولاية المكسيك. مكان يسميه جيسيكا وميغيل باحتقار العشوائية. وحتى أنا كنت أتجنب زيارته كثيرا أختلق أعذار العمل كي لا أذهب إلى ذلك البيت الصغير الحار الصاخب حيث تنبح الكلاب في الشارع وتدق الموسيقى جدران البيوت.
اضطررت إلى ركوب المترو. كانت رحلة شاقة. الناس يدفعونني وينظرون إلي باستهجان. جلست على أرض العربة لأنه لم تكن هناك مقاعد ولم يعرض أحد مساعدتي. استغرق الأمر ساعتين. كان الليل قد حل عندما نزلت من الميكروباص عند زاوية شارعهم.
كان الحي مظلما حفر في الطريق قمامة في الزوايا. لكن على خلاف شوارع اللوماس المېتة كانت هنا حياة. كانت امرأة تبيع tamales عند الزاوية وأطفال يلعبون الكرة رغم تأخر الوقت.
مشيت نحو بيت دانيال. بناء بسيط من طابق واحد طلاء كريمي متقشر وسياج أسود صدئ. لا حديقة مصممة فقط أوعية نباتات فيها إبرة الراعي تعتني بها سارة بإخلاص.
توقفت أمام الباب المعدني. ارتجفت ساقاي. كنت خائڤة لا من أن يرفضني بل من أن يثبت أنني فشلت تماما كأم. إن أغلق دانيال الباب أيضا فستكون حياتي كلها فشلا.
طرقت الجرس لم يعمل. طرقت بأصابعي على المعدن.
جاء صوت من الداخل
حاضر! أنا قادمة! كانت سارة.
سمعت خطوات تقترب وصوت المزلاج وهو يفتح ثم فتح الباب على مصراعيه.
كانت سارة واقفة بمئزر ويداها مغطاتان بالدقيق. شعرها مربوط على عجل وملابسها بسيطة. لما رأتني اتسعت عيناها. لم يكن هناك اشمئزاز ولا حكم فقط دهشة صافية.
قالت
السيدة ليندا
ثم عندما رأت هيئتي خرج منها شهقة
يا إلهي! دانيال! تعال بسرعة! إنها أمك!
وقبل أن أبدأ خطاب الإفلاس الذي حضرته كانت قد أمسكت بذراعي وأدخلتني إلى البيت بعيدا عن برد الشارع.
تفضلي تفضلي ماذا جرى لك أنت متجمدة!
خرج دانيال يركض من المطبخ. كان يرتدي قميصا قديما لحزب سياسي وبنطالا رياضيا مهترئا.