ربّت طفلين يتيمين في صمت… وبعد 22 عامًا وقفت عاجزة أمام ما فعلاه


تمسك القلم وتراجع معهما الحروف الأولى وتصبر على الأخطاء وتعيد الشرح مرة بعد مرة.
لم يعودا طفلين.
كانا يقفان أمامها رجلين كاملين.
رجلين تشكل كل تفصيل فيهما تحت سقف بيتها.
في ذلك البيت ذي السقف المعدني الذي تسلل منه المطر ودخلته الرياح لكنه احتوى ما لم تحتوه قصور كثيرة.
نظرت إلى الأول.
كان يقف بخطوات ثابتة ظهره مستقيم كتفاه مرفوعتان بثقة لم تكن تعرفها فيه من قبل. يرتدي بذلة أنيقة داكنة اللون لم تعتد أن تراها عليه. تذكرت فجأة قمصانه القديمة التي كانت ترقعها بيدها وتغسلها ليلا لتجف مع الفجر.
ملامحه كانت هادئة متزنة لكن عينيه
عينيه ڤضحتا كل شيء.
كانتا تلمعان بدموع لم يحاول إخفاءها. دموع رجل اعتاد الصبر اعتاد أن يكون قويا أن يتحمل أن لا يظهر ضعفه. لكنه الآن يعود طفلا أمام أمه. طفلا بلا دروع بلا ألقاب بلا مناصب.
ثم انتقل نظرها إلى الآخر.
كان وقاره مختلفا.
وقارا صامتا ثقيلا يشبه وقار من رأى الألم كثيرا حتى صار جزءا من يومه. كانت تلك نظرة طبيب اعتاد مواجهة المړض والخسارة اعتاد أن يقف ثابتا حين ينهار الآخرون أن يشرح أن يهدئ أن يمسك بيد المحتضر.
لكنه الآن
كان عاجزا.
عاجزا عن احتواء امرأة صنعت حياته من لا شيء.
عاجزا عن رد كل ما أخذه منها في عمر واحد.
كان كل منهما يحمل باقة من الزهور لكنها لم تر الزهور.
لم تر الألوان ولا السيقان ولا الأوراق.
رأت السنوات.
رأت الليالي التي سهرت فيها بجوار سرير مريض تضع يدها على جبين طفل مرتفع الحرارة وتحبس أنفاسها خوفا من أن ترتفع أكثر.
رأت نفسها تمشي في الليل إلى المستشفى تدعو في سرها وتساوم الأطباء بدموعها.
رأت الأيام التي عادت فيها من المدرسة منهكة ظهرها يؤلمها قدماها متورمتان لكنها ابتسمت حين فتحا لها الباب كي لا يشعر أحد بتعبها.
رأت اللحظات التي أخفت فيها دموعها في الظلام كي لا تثقل على قلبين صغيرين لم يحتملا الفقد من قبل.
لم تستطع أن تتحرك.
شعرت وكأن الأرض شدت قدميها إليها.
كأن الجسد قال كفى.
رفض أن يواكب ما يحدث لأن ما يحدث أكبر من قدرة الجسد على الاحتمال.
كانت الدموع أسرع من الكلمات أسرع من العقل أسرع من الفهم.
ضاق صدرها من شدة الامتلاء.
امتلاء المشاعر.
امتلاء الذكريات.
امتلاء عمر كامل عاد دفعة واحدة بلا ترتيب بلا استئذان.
تقدم الابن الأكبر خطوة.
كانت خطواته موزونة لكنه شعر بثقلها في صدره. أمسك الميكروفون.
وحين تكلم خرج صوته مرتجفا لا لأنه ضعيف بل لأن الكلمات كانت أكبر من أن تقال بسهولة ولأن ما في قلبه كان أثقل من أي خطاب.
قال
لم نأت اليوم لنقدم هدية لمعلمتنا
توقف.
كأن الهواء خانه.
كأن الحروف علقت في حلقه.
ثم أكمل بصوت انكسر رغم محاولته التماسك
جئنا لنكرم أمنا.
المرأة التي ضحت بشبابها وبراحتها وبحياتها لتصنع منا ما نحن عليه اليوم.
في تلك اللحظة لم يعد أحد يسمع بوضوح.
تحول الصوت إلى