ربّت طفلين يتيمين في صمت… وبعد 22 عامًا وقفت عاجزة أمام ما فعلاه


فتبتسم وتعيد طي الورقة بعناية وكأنها تخشى أن تضيع أثر ذلك الحب الصامت.
مرت السنوات وتقدم العمر بالمعلمة. اشټعل الشيب في شعرها وخف صوتها لكن قلبها ظل كما كان ثابتا صبورا ممتلئا بالرضا. استمرت في التدريس حتى آخر يوم في خدمتها تذهب إلى المدرسة في الصباح وتعود في المساء إلى بيتها المتواضع ذي السقف المعدني الذي طالما تسلل منه المطر في الليالي الباردة.
لم تشك يوما ولم تطلب شيئا لنفسها وكانت تقول دائما لمن يسألها عن حالها
ما دام أبنائي بخير فأنا بخير.
وفي عام 2024 وبينما كانت تعيش أيام تقاعدها بهدوء تلقت اتصالا غير متوقع من إدارة المدرسة التي أفنت عمرها فيها. طلب منها أن تحضر حفل الافتتاح السنوي. لم تفهم السبب لكنها وافقت على الفور بدافع الحنين أكثر من الفضول.
في ذلك اليوم ارتدت ثوبا بسيطا ومشت بخطوات هادئة نحو المدرسة. كانت الساحة مزدحمة مليئة بالطلاب والمعلمين والضيوف. جلست في الصفوف الخلفية لا تحب الظهور ولا تجيد الوقوف في الضوء.
وفجأة ناداها مدير المدرسة باسمها.
ترددت للحظة.
لم يكن التردد خوفا بل ارتباكا خالصا.
ذلك الارتباك الذي يصيب الإنسان حين ينادى فجأة باسمه في مكان لم يكن ينوي أن يرى فيه. رفعت رأسها ببطء كأنها تخشى أن تكون قد أساءت السمع ثم وقفت. شعرت بأن قلبها يخفق بقوة غير مألوفة خفقانا ثقيلا كأن كل نبضة تحمل معها سؤالا بلا إجابة.
بدأت تسير نحو المنصة.
لم تكن خطواتها ثابتة كما اعتادت في فصول الدراسة. كانت خطوات امرأة لا تعرف ما الذي ينتظرها لكنها مضطرة للمضي. كانت تسمع التصفيق تصفيقا طويلا متواصلا يملأ الساحة لكنها لم تفهم سببه. لم تفهم لماذا يقف الجميع ولماذا تنظر إليها العيون بهذه الطريقة وكأنها على وشك أن تسمع شيئا سيغير ترتيب قلبها إلى الأبد.
وقف المدير وصوته رسمي متماسك كما لو أنه يحاول هو الآخر أن يخفي تأثره وقال إن هناك هدية خاصة جدا تقدم لمعلمة خدمت المدرسة بإخلاص نادر.
أعادت الكلمة في داخلها
هدية
لم تعتد أن تهدى شيئا.
قبل أن تكمل أفكارها وقبل أن تسأل نفسها عما يعنيه هذا كله انفتح الستار الخلفي.
بهدوء.
خرج رجلان.
لم يكن خروجهما صاخبا ولم تصاحبه موسيقى لكن شيئا ما في الهواء تبدل.
توقف الزمن.
ليس مجازا.
توقف حقا.
احتاجت بضع ثوان وربما دهرا كاملا لتستوعب ما تراه عيناها. لم يكن المشهد واضحا في البداية كانت الرؤية مشوشة كأن الدموع سبقت الإدراك. ثم بدأت الصورة تتكون ببطء مؤلم جميل لا يحتمل.
الطفلان.
الطفلان اللذان كانت توقظهما قبل الفجر بصوت خاڤت كي لا يبرد الخبز.
اللذان كانت تهمس لهما أن يستيقظا وتربت على ظهريهما الصغيرين وتعدهما بأن النهار سيمر سريعا.
اللذان كانت تلاحقهما في أرجاء البيت الصغير ليغسلا وجهيهما وتضحك حين يهرب أحدهما وتدعي الڠضب كي يتوقف عن اللعب.
اللذان كانت تذكرهما بالواجبات المدرسية وتجلس
بينهما