لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح


ماريا وتجاعيد عينيها تحكي عمرا من الاكتمال
كنت سأكون مجرد معلمة فقيرة ووحيدة. أنتما من رفعني من وحدة هذا العالم. أنتما من منحني أجنحة لأشعر أنني عشت حياة عظيمة حقا.
وفي البعيد اخترقت طائرة السحب الوردية التي رسمها غروب الشمس. وفي قمرة قيادة ما ربما كان طيار شاب ينظر إلى الأرض مبتسما مدركا أنه مهما ارتفع فهناك دائما ملاذ هادئ يدعى الأم ينتظره.
السماء مملكة متقلبة. قد تكون لوحة هدوء في لحظة ومسرح فوضى في اللحظة التالية. بعد عامين من خدمتهما المشتركة واجه ميغيل ودانيال الاختبار الأعظم لالارتفاع الذي منحتهما إياه أمهما.
حدث ذلك فوق المحيط الهادئ بعد ست ساعات من رحلة طويلة. كانت قمرة قيادة طائرة بوينغ 787 تغمرها الإضاءة الزرقاء الناعمة للأجهزة.
قال دانيال وهو يراقب الرادار
مطبات هوائية قادمة خفيفة إلى متوسطة.
أجاب ميغيل
تم الاستيعاب.
لكن فجأة اهتزت الطائرة پعنف. لم يكن ذلك اهتزاز الرياح المعتاد بل صوت معدني مريع لفشل كارثي.
أضاء ضوء تحذير أحمر ثم آخر. ارتفعت اهتزازات المحرك الأيمن ثم انطفأت الشاشة.
صړخ دانيال
انطفاء المحرك الثاني! أحاول إعادة التشغيل!
قال ميغيل بصوت هادئ مخيف ذلك الهدوء ذاته الذي كانت ماريا تحافظ عليه حين لم يكن في المخزن طعام
انظر إلى ضغط الزيت. انتهى أمر المحرك يا دانيال. لدينا فشل بنيوي.
مالت الطائرة بشدة إلى اليمين والجاذبية تشد الأجنحة. في المقصورة شعر ثلاثمئة راكب بأن الأرض انسحبت من تحتهم وبدأ الذعر يرتفع كمد عات.
في المقصورة كانت ماريا تسافر معهما مرة أخرى. رأت أقنعة الأكسجين تتدلى وسمعت الصرخات. وللحظة عابرة عادت إلى درجات المركز الصحي المبتلة بالمطر قبل ثلاثين عاما عاجزة وباردة. ثم شعرت بقوة مألوفة.
تعثرت إحدى المضيفات في الممر فأمسكت بها ماريا بقوة مفاجئة.
قالت بصوت حاسم
اهدئي. أبنائي يقودون هذه الطائرة. لقد تسلقوا جبالا أشد انحدارا من هذا. اجلسي تنفسي وثقي بهم.
كان يقينها معديا. بدأ الركاب القريبون منها يهدؤون حين رأوا السلام الثابت على وجه المرأة المسنة.
في قمرة القيادة كان الوضع حرجا. تسريب هيدروليكي ثانوي جعل أدوات التحكم ثقيلة شبه غير مستجيبة.
قال دانيال وهو يكافح المقود
لا نستطيع الحفاظ على الارتفاع! نفقد زاوية الانزلاق. علينا الهبوط في الماء!
قال ميغيل
لا.
وتدفقت إلى ذهنه ذكريات الليالي تحت مصباح الزيت حين كانت ماريا تصلح السقف المتسرب بقطع خردة وصلوات رافضة أن يدمر المطر كتبهم.
قال
تذكر ما كانت تقوله أمنا. الأحلام تمنحنا الارتفاع. لكنها علمتنا أيضا أنه عندما ينطفئ الضوء لا نتوقف عن القراءة بل نتعلم كيف نشعل اللهب من جديد.
أغمض ميغيل عينيه لجزء من الثانية مستحضرا الفيزياء التي أحبها دانيال.
أعد توجيه السائل الهيدروليكي المتبقي من الأنظمة غير الأساسية. الآن!
كان مناورة محفوفة بالمخاطر وغير قياسية. تردد دانيال لنبضة قلب ثم قال
جار إعادة التوجيه.
أنت أدوات التحكم. استوت الطائرة محلقة بالكاد فوق أمواج المحيط الرمادية المسننة. ولمدة عشرين دقيقة مرعبة قادا الطائر الجريح نحو مدرج طوارئ في جزيرة نائية.
وعندما ظهرت أضواء المدرج أخيرا وسط الضباب أمسك ميغيل بجهاز الاتصال
هنا القبطان سانتوس. نحن عائدون إلى الوطن.
كان الهبوط عڼيفا. صړخت الإطارات وتصاعد الدخان بينما كابحت المكابح الطارئة الزخم. وحين توقفت الطائرة أخيرا كان الصمت الذي تلا ذلك مزلزلا.
جلس ميغيل ودانيال في مقعديهما وملابسهما مشبعة بالعرق وأيديهما ترتجف. لم يحتفلا. فكا أحزمتهما واندفعا نحو المقصورة.
انفتح الباب. كان الركاب يبكون ويتعانقون. وفي المقدمة كانت ماريا واقفة. لم تتحرك.
وحين رأت ولديها لم تسأل عن المحرك ولا عن الخطړ. فتحت ذراعيها فقط. انهار الطياران المزينان بالأوسمة في حضنها وعادا طفلين صغيرين تحت المطر.
همست
كنت
أعلم. كنت