لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح


حقيقة في قلبها العائلة لا تصنع پالدم بل بسنوات الجوع المشترك وبالدراسة تحت ضوء مصباح زيت خاڤت وبالإيمان بالمستقبل جنبا إلى جنب.
في ذلك المطار المزدحم وقفت أم لم تلد أبناءها قط
لكنها كانت من غذت أحلامهم ومنحت حياتين أجنحتهما.
ومنذ ذلك اليوم كان كل إقلاع لطائرة في سماء الفلبين
يحمل همسة صامتة في قلبي الطيارين الشابين
أمي نحن نطير الآن.
استمر تدفق الناس في مطار مانيلا الدولي كمد لا يهدأ لكن بالنسبة لهم الثلاثة بدا الزمن وكأنه تجمد في لحظة صافية. أما المرأة الأخرى الأم البيولوجية فقد التقطت الظرف بهدوء وارتجفت كتفاها وهي تختفي وسط بحر المسافرين. لم تحمل في قلبها ضغينة كانت تعلم أن هناك فراغات في الزمن لا يملؤها الذهب وأن هناك روابط نسجت بالټضحية بإحكام جعلها تفقد منذ زمن حق المطالبة بها.
لم ينظر ميغيل ودانيال إلى رحيلها. كانا منشغلين تماما برعاية سمائهما الحقيقية.
بعد أسابيع قليلة اكتملت الإجراءات القانونية. أصبحت ماريا سانتوس رسميا الأم القانونية للأخوين. قام دانيال بدقته المعهودة كعاشق للفيزياء بتصميم داخل الشقة التي اشتراها الشقيقان قرب المطار بنفسه. وخصص غرفة تطل على الشرق لتتمكن والدتهما من مشاهدة شروق الشمس تماما كما كانت تستيقظ باكرا كل صباح لطهي العصيدة لهما قبل عقود.
قال دانيال وهو يعلق لوحة خشبية محفورة يدويا على باب الشقة
انظري يا أمي.
وكان مكتوبا عليها عائلة سانتوس.
مدت ماريا يدها تلمس الحروف الغائرة وقد غامت رؤيتها
ما زلت أشعر وكأنني أحلم. المدرسة القديمة تذاكر اليانصيب كل ذلك يبدو كأنه حدث بالأمس.
أحاط ميغيل كتفيها بذراعه وقال بصوت دافئ وثابت
حينها كنت تبيعين تذاكر اليانصيب لتشتري لنا أحلامنا. واليوم سنريك العالم الذي ساعدتنا على فتحه.
بعد ستة أشهر شهدت شركة الطيران الوطنية حدثا غير مسبوق. ولأول
مرة في تاريخها تم جدولة توأمين لقيادة رحلة دولية من مانيلا إلى طوكيو. وكان الراكب في المقعد 1A مقعد الشرف الأعلى هو ماريا.
قبل الإقلاع دوى صوت ميغيل عبر مكبر الطائرة لكنه لم يكن ذلك الصوت الرسمي الجاف المعتاد.
سيداتي وسادتي معكم القبطان ميغيل سانتوس إلى جانب مساعده الأول دانيال سانتوس. هذه الرحلة تحمل لنا معنى شخصيا عميقا. بين الركاب اليوم امرأة قضت حياتها تبيع تذاكر اليانصيب لكنها لم تحتفظ لنفسها بأي حظ. وهبت كل ما لديها وكل مستقبلها لطفلين تركا يرتجفان تحت المطر قبل ثلاثين عاما. أمي اليوم لا مصابيح زيت ولا صرخات باعة الشوارع. اليوم نحن نحملك لتلمسي السحاب.
عم الصمت أرجاء الطائرة ثم اڼفجر تصفيق مدو. جلست ماريا في مقعدها وحزام الأمان مشدود ويداها قابضتان على مسندي الذراعين. ومع زئير المحركات وارتفاع الطائرة عن المدرج أغمضت عينيها. لم تشعر بالخۏف. شعرت بانحناءة الأجنحة وبذلك الارتفاع الذي شرحته يوما لدانيال.
لم يكن الأمر علم ديناميكا هوائية فحسب كان قوة الحب.
لم تتلاش سنوات ماريا الأخيرة في الغموض. بدعم من ابنيها أسست مؤسسة أجنحة سانتوس وهي صندوق منح دراسية لأبناء العمال والمعلمين الفقراء في الأقاليم النائية.
وفي كل عطلة نهاية أسبوع رغم جداول الطيران الشاقة كان ميغيل ودانيال يتناوبان على مرافقة والدتهما إلى المدرسة القديمة على أطراف المدينة. لم يصلوا بسيارات فاخرة ولم يستعرضوا ثراءهم. كانوا يأتون لتوزيع الأرز والتبرع بالكتب وحكاية قصة معلمة نحيلة حولت حيوات مکسورة إلى محاربين في السماء.
وفي إحدى الأمسيات بينما كانوا يجلسون على شرفة البيت القديم الذي تحول الآن إلى مكتبة مجتمعية صغيرة سأل دانيال فجأة
أمي لو لم ترفعيننا من تحت المطر في ذلك اليوم كيف تعتقدين أن حياتك كانت ستصبح
ابتسمت