في عام 1995 رحل وتركها مع خمس أطفال


المذعور من الخزي.
لكن الأم لم تكن بحاجة لكلامهم ولا لاعتذار أحد. لأنها في تلك اللحظة أدركت شيئا لم تدركه من قبل أنها لم تكن يوما بحاجة لكلام الناس. لم تكن بحاجة لاعترافهم ولا لرحمتهم. كانت بحاجة فقط لهذا العناق الخمسي الذي يلتف حولها الآن لأولادها الذين صنعوا منها أسطورة دون أن يعرفوا.
كبر الأبناء وهم يحملون بداخلهم قوة لم يفهموا مصدرها إلا ذلك اليوم. كل واحد منهم كان يجر وراءه حكاية حرب صغيرة خاضها يوميا فقط ليثبت أنه يستحق مكانه في العالم. المعماري الذي كان يرسم مبانيه بقلب فنان ونفس محارب والذي كان يقول في كل مقابلة أمي هي أول مهندسة قابلتها في حياتي لأنها بنت حياتنا من الصفر. والمحامية التي كانت ترى في كل امرأة ضعيفة صورة أمها فكانت تدافع بكل ما فيها من قوة لتعيد العدالة لمن ظلم. والمغني الذي كان يغني للكرامة وكان صوته يهز آلاف المستمعين لأنه يحمل صدقا لم يتعلمه من المعاهد بل من حضڼ أمه. والمستشار الناجح الذي كان يقف على المنصات ليخبر الشباب أن الفقر ليس النهاية وأن الألم ليس وصمة. والفنان الذي جعل وجه أمه أيقونة تتردد في كل معرض كأن العالم كله بات يرى من خلالها معنى الصمود.
أما الرجل الذي تركهم فقد عرف الحقيقة من بعيد. سمعها كما يسمع المرء خبرا

لا يتعلق به ثم فجأة يشعر بأن قلبه يضيق. شعر للمرة الأولى أن ما تركه خلفه لم يكن ڤضيحة محتملة بل كان عائلة كان مستقبلا كان أبناء يحملون اسمه دون أن يحملوا منه شيئا آخر. حاول أن يعود حاول أن يطرق بابا أو يرسل رسالة لكن كل الطرق كانت مسدودة. ليست لأنهم يكرهونه بل لأن الزمن لا يعود للوراء ولأن الندم لا يمنح صاحبه حقا تلقائيا في الدخول مجددا إلى حياة من جرحهم.
الأم لم تكن تحمل له الحقد لأنها لم تعد تملك وقتا للحقد. قلبها لم يعد فيه مكان إلا لراحة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد. واكتشفت أن الڠضب عبء وأن التجاهل شفاء.
الأيام التالية مرت كأنها صفحة جديدة تكتب بحروف من نور. كل شيء كان أخف الهواء الخطوات حتى النوم. الناس بدأوا ينظرون للأم باحترام جديد احترام من يعرف أنه كان مخطئا لكنه لا يملك الشجاعة ليقول ذلك بصوت مسموع. وبعضهم كان يراقب أولادها وهم يمرون في الشارع ويهمس هذه المرأة لم ترب أطفالا فقط بل ربت رجالا ونساء من ذهب.
وفي إحدى الليالي جلست الأم في الفناء تنظر إلى السماء كما لو كانت تجري حساباتها الخاصة مع القدر. كانت تشعر أخيرا بأن كل ظلم واجهته لم يكن نهاية. بأن الصبر الطويل الذي ظنته عبئا كان طريقا نحو لحظة انتصار لا تشبه