في عام 1995 رحل وتركها مع خمس أطفال

بعد أن ظهرت الحقيقة التي صدمت الجميع لم تكن تلك مجرد لحظة عابرة في حياة هذه الأم أو حياة أبنائها الخمسة بل كانت نقطة فاصلة كأن الزمن توقف عندها ثم عاد ليدور من جديد بشكل مختلف أعدل أرحم. كانت السنوات التي مضت عليهم بطيئة وثقيلة كأن كل يوم يضيف حجرا جديدا فوق صدورهم ومع ذلك ظلوا يتحركون يكبرون يتعلمون بينما تحمل أمهم ذلك الحمل وحدها بصبر لا يشبه صبر البشر.
حين عاد الأبناء الخمسة إلى المنزل ذلك المساء كانت السماء ملبدة بغيوم تشبه الغيوم التي رافقت ليلة رحيل أبيهم قبل ثلاثين عاما. الجدران العتيقة للمنزل بدت وكأنها تحفظ في شقوقها كل بكاء خاڤت كل تنهيدة كل ليلة طويلة سهرت فيها الأم وحدها تمسح دموعها كي لا يراها أطفالها. وعندما دخل الأبناء حاملين الظرف الأبيض شعرت الأم بأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت تعرف أن الداخل يحمل الحقيقة ولكنها مثل أي قلب چرح عشرات المرات كانت تخاف أن يعاد فتح الچرح من جديد.
رفعت رأسها نحوهم نظرتها تجمع بين رجاء وحذر وكأنها تطلب من أولادها أن يرفقوا بقلبها حتى لو كانت الحقيقة مرة. ولما قال أحدهم أمي كنت صادقة. كل شيء كان صحيحا. شعرت وكأن ثلاثين عاما من الألم انكسرت دفعة واحدة. ركبتيها لم تحتمل ثقل اللحظة فسقطت عليها. دموعها انهمرت بلا توقف دموع ثلاثين عاما. دموع صبر ظنت أحيانا أنه بلا معنى. دموع امرأة حملت جبالا على كتفيها ولم تسقط.
لم تكن تبكي لأنها تفاجأت بل لأنها أخيرا وجدت ما يثبت أنها لم تكن يوما مخطئة وأن قلبها كان أصدق من كل أصابع الاتهام التي وجهت إليها. كانت تبكي لأن العالم الذي طعنها مرارا عاد ليقول لها كنت على حق.
الأبناء التفوا حولها وكأنهم يحاولون أن يمحوا من ذاكرتهم كل لحظة شعرت فيها أنها وحيدة. ووسط هذا العناق العارم كانت الأم تستعيد ذكرياتها واحدة تلو الأخرى تستعيد صوتها وهي تتحمل الإهانات في الشارع تستعيد خطواتها المرهقة وهي تهرع من عمل لآخر لتوفر الطعام لهم تستعيد كل اللحظات التي رأت فيها الخۏف في عيون أطفالها لأنهم لم يفهموا لماذا يعاملهم العالم بقسۏة.
وتذكرت كذلك تلك الليلة البعيدة حين صړخ الرجل في وجهها ورحل. لم تكن تنظر إليه كرجل تركها فقط بل كرجل خذل أبناءه 
لكن الزمن لم يمسح شيئا الزمن جاء ليعتذر.
خارج المنزل كانت البلدة تلتهم الأخبار بسرعة هائلة. نساء كن يتجنبن النظر في وجهها رجال كانوا يغيرون الطريق إن رأوها قادمة شباب كانوا يهمسون ويضحكون حين يمر أحد أبنائها كلهم وجدوا أنفسهم مكشوفين أمام الحقيقة الآن. لم يكن لديهم أي مبرر. بعضهم اختبأ خلف حجة سوء الفهم وبعضهم حاول أن يتقرب فجأة وبعضهم اكتفى بالصمت بالصمت