دخلت مطعم اتناول بقايا الطعام


لأن يشعروا أنهم مرئيون لا مجرد أرقام عابرة.
جوع لأن يقول لهم أحد ولو مرة واحدة أنت لست عبئا.
وحين أضع الطعام أمامهم لا أتعجل. لا أراقب عدد اللقم ولا أحصي الوقت ولا أحرج أحدا بنظرات زائدة. أضع الطبق كما لو كنت أقدمه لشخص أعرفه منذ زمن أبتسم فقط وأقول بهدوء صادق لا تكلف فيه 
كل بهدوء.
هنا لا يحكم عليك.
هنا نطعم.
أرى في عيونهم تلك اللحظة التي أعرفها جيدا. لحظة الدهشة. اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن العالم رغم قسوته لم يغلق أبوابه بالكامل. أن هناك فجوة صغيرة في هذا الجدار الصلب يمكن للضوء أن يتسلل منها.
كثيرون لا يقولون شيئا. بعضهم يبكي بصمت. بعضهم يبتسم ابتسامة سريعة كأنها اعتذار. وبعضهم يكتفي بهز رأسه. وأنا أفهمهم جميعا لأنني كنت هناك يوما.
أتذكر نفسي حين دخلت هذا المطعم أول مرة وأنا أرتجف من البرد والجوع والخۏف. أتذكر كيف شعرت أنني دخيلة كأنني اقټحمت عالما ليس لي. كيف كنت أحاول أن أختفي أن أكون غير مرئية أن آكل بسرعة قبل أن يكتشف أمري. أتذكر كيف كان الخبز البارد وليمة وكيف كانت قطعة اللحم اليابسة حياة.
تلك الذكرى لا تفارقني ولا أريدها أن تفارقني. ليست چرحا بل بوصلة. تذكرني لماذا أنا هنا ولماذا لا يجب أن أغلق قلبي أبدا.
الرجل ما زال يأتي أحيانا. لم يعد يرتدي ربطة عنق مشدودة كما كان في ذلك اليوم الأول. صار أكثر بساطة أكثر إنسانية كأن شيئا ما تحرر فيه أيضا. يحييني بابتسامة صغيرة يعرف معناها وأحيانا بعد انتهاء الدوام نجلس معا نشرب القهوة في صمت مريح.
ذلك الصمت ليس فراغا بل امتلاء. صمت يفهم نفسه لا يحتاج إلى شرح.
لا نتحدث كثيرا عن الماضي. ليس لأننا ننساه بل لأنه أصبح مفهوما مستوعبا لم يعد يؤلم بالطريقة نفسها. الماضي صار خلفنا لا فوقنا.
قال لي ذات ليلة ونحن نراقب المطبخ وقد خلا من الضجيج والأضواء خفتت قليلا 
كنت أعلم أنك ستصلين بعيدا.
نظرت إليه وشعرت أن الكلمات التي سأقولها ليست مجاملة بل حقيقة خرجت من أعماق التجربة 
أنت من ساعدني على البدء
أما الباقي ففعلته بالجوع.
ضحك ضحكة قصيرة تلك الضحكة التي تحمل معرفة لا سخرية وقال 
الناس تستهين بقوة الجوع.
يظنون أنه يكسر فقط
لكنهم لا يعرفون أنه أحيانا يدفع الإنسان ليعيش.
كنت أعرف ذلك جيدا. أعرفه في جسدي في ذاكرتي في كل مرة أضع فيها طبقا ساخنا أمام شخص متردد. أعرفه لأن الجوع الذي كاد ېقتلني يوما هو نفسه الذي علمني أن أتمسك بالحياة. علمني أن أطلب أن أقاوم أن أصدق أنني أستحق.
الجوع علمني الصبر لكنه علمني أيضا الڠضب. الڠضب النظيف الذي لا يدمر بل يطالب. علمني أن أرفض أن أكون رقما أن أرفض أن أمحى أن أتمسك باسمي وصوتي ووجودي.
لأن قصتي بدأت بين بقايا
الطعام
أما اليوم فأنا لا أطبخ وجبات فحسب.
أنا أطبخ الأمل.
أطبخ فكرة أن الإنسان لا يقاس بما يملك بل بما ينقذ.
أطبخ إيمانا صغيرا بأن طبقا واحدا في اللحظة المناسبة قد يغير مسار حياة كاملة.
أطبخ ذاكرة جديدة لكل من ظن يوما أن لا مكان له.
وهكذا كل يوم حين أفتح باب المطبخ لا أشعر أنني أبدأ دواما جديدا بل أشعر أنني أفي بوعد قطعته لنفسي منذ تلك الليلة الأولى. وعد بأن لا أسمح للجوع أن يكون نهاية أحد إن استطعت أن أكون بداية.
وهذا وحده كاف
لأستمر.