دخلت مطعم اتناول بقايا الطعام


تكن في عينيه سخرية ولا شفقة بل هدوء غريب.
اقتربت منه وساقاي ترتجفان.
لماذا أطعمتني همست.
خلع سترته ووضعها على الكرسي كأنه تخلى عن درع غير مرئي.
لأن لا أحد ينبغي أن ينبش في البقايا ليبقى حيا قال بثبات كلي بهدوء. أنا صاحب هذا المكان ومن اليوم سيكون لك دائما طبق ينتظرك هنا.
عجزت عن الكلام. احټرقت عيناي بالدموع. بكيت لا من الجوع وحده بل من الخجل والتعب والإهانة ومن راحة أن أحدا أخيرا رآني حقا.
عدت في اليوم التالي.
ثم في الذي يليه.
ثم في اليوم الذي بعده.
في كل مرة كان النادل يستقبلني بابتسامة كأنني زبونة دائمة. أجلس في الطاولة نفسها آكل بصمت وعندما أنتهي أطوي المناديل بعناية.
ذات مساء عاد الرجل. دعاني للجلوس معه. ترددت لكن صوته أشعرني بالأمان.
سألني عن اسمي.
قلت لوسيا.
وسأل عن عمري.
قلت سبعة عشر عاما.
أومأ ولم يسأل أكثر.
ثم قال 
أنت جائعة نعم. لكن ليس للطعام فقط.
أنت جائعة للاحترام للكرامة لأن يسألك أحد كيف حالك لا أن يراك قمامة في الشارع.
لم أجد ردا لأنه كان محقا.
سألني عن عائلتي.
قلت إن أمي ماټت بمرض وإن أبي رحل مع امرأة أخرى ولم يعد. بقيت وحدي. طردت من المكان الذي كنت أعيش فيه ولم يكن لي مأوى.
سأل عن المدرسة.
قلت إنني تركتها في الصف الثاني الثانوي. كنت أخجل من الذهاب بملابس متسخة وكانت المعلمات يعاملنني بغرابة وزملائي يسخرون مني.
أومأ مجددا وقال 
أنت لا تحتاجين شفقة. أنت تحتاجين فرصة.
أخرج بطاقة من جيبه وأعطاها لي.
قال لي أن أذهب في الغد إلى ذلك العنوان مركز تدريب للشباب مثلي. دعم طعام ملابس وأهم من ذلك أدوات للحياة.
سألته والدموع في عيني 
لماذا تفعل هذا
قال 
لأنني حين كنت طفلا أكلت من البقايا. وأحدهم مد يده لي. واليوم جاء دوري.
مرت السنوات لكنها لم تمر خفيفة. لم تكن طريقا مفروشة بالطمأنينة بل كانت مليئة بالتعلم البطيء والسقوط والنهوض وإعادة المحاولة.
دخلت المركز الذي دلني عليه ذلك الرجل وأنا أحمل داخلي خوفا أكثر مما أحمل أملا. في الأيام الأولى كنت أنام وأنا أتوقع أن يطلب مني الرحيل في أي لحظة كأن الخير لا يمكن أن يستمر طويلا في حياتي. كنت أستيقظ مذعورة من فكرة أن يكون كل ما حدث حلما مؤقتا.
لكن الأيام مرت ولم يطردني أحد.
تعلمت الطهي خطوة خطوة. في البداية لم أكن أعرف كيف أمسك السکين جيدا كانت يداي ترتجفان لا من الجوع هذه المرة بل من الخۏف من الخطأ. ثم بدأت أفهم الڼار والوقت والصبر. تعلمت أن الطعام ليس مجرد سد للجوع بل رسالة واحتواء ودفء.
وتعلمت القراءة من جديد. لا القراءة السريعة التي كنت أمارسها في طفولتي بل القراءة التي تفهم وتربط وتطرح الأسئلة. تعلمت استخدام الحاسوب كتابة اسمي بثقة إرسال رسالة دون خوف من السخرية البحث عن معلومة دون أن أشعر أنني