قالوا إن طفل المليونير ماټ… لكن ما فعله طفلٌ مشرّد أذهل الأطباء!


نظر إلى الوجوه ثم إلى الأرض ثم شعر بيد تمد نحوه. كانت يد أليخاندرو. تردد لحظة قصيرة ثم أمسكها. لم يكن في تلك الحركة بطولة بل ثقة وليدة هشة لكنها حقيقية.
وقفت ماريانا إلى جوارهما. لم تكن ابتسامتها كاملة ولا ملامحها خالية من الألم لكنها كانت حاضرة. قالت بصوت ثابت اختارت كلماته بعناية
نعم ما زلت مچروحة. لا أنكر ذلك. لكن هذا الطفل لا يستحق أن يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها. وإميليانو يستحق أن يكبر وهو يعرف أخاه لا أن يحرم منه بالصمت أو الخۏف.
لم يصفق أحد. لم يرتفع صوت. لكن الصمت الذي خيم هذه المرة لم يكن صمت صدمة بل صمت فهم. صمت قبول بطيء يشبه الخطوة الأولى بعد عثرة طويلة.
مرت الشهور.
عاد المستشفى إلى روتينه المعتاد ممرات مزدحمة نوبات متعبة وأكواب قهوة تبرد على عجل. لكن بالنسبة لماتيو تغير كل شيء. لم يعد المكان ملجأ خفيا يتسلل إليه اتقاء للبرد بل مقصدا واضحا يعود إليه وهو مرفوع الرأس.
صار يأتي بزيه المدرسي يحمل دفترا جديدا بعناية ومنحة دراسية وقعت بهدوء من دون عدسات ولا تصريحات. في أيام السبت كان يرافق المتطوعين لتوزيع الطعام على المحتاجين يتوقف معهم يتحدث ويعرف الأسماء. وأحيانا كان يعود وحده إلى قسم الطوارئ لا لسبب عملي بل ليقف أمام اللافتة ويستعيد في ذاكرته تلك الفجرية التي تجرأ فيها حين لم يكن يملك سوى قلبه ومعرفته المبعثرة.
في البيت كانت الحياة تنمو ببطء كما تنمو الأشياء الصحيحة. كان إميليانو يكبر يضحك ويتعلم الأصوات. وفي أحد الأيام نطق كلمته الأولى بوضوح
تاتو.
قالها وهو يشير إلى ماتيو بعينين تلمعان بالفرح.
تجمد ماتيو في مكانه. لم يكن الصوت مجرد كلمة بل وعد. في تلك الليلة جلس على سريره فتح دفتره وتوقف طويلا عند الصفحة الأخيرة. كتب بخط متأن
الآن لدي مكان.
أغلق الدفتر وأطفأ الضوء وأغمض عينيه. همس في الظلام كأن الهواء قادر على حمل الرسالة إلى حيث يجب أن تصل
وعدتك يا صموئيل هذه المرة لم نتأخر. هذه المرة وصلنا في الوقت المناسب.
وسكن الليل لا كصمت فقدان بل كطمأنينة أخيرة.