طفلةٌ من الشارع تتسوّل ادفن أختي وردُّ الأرمل المليونير سيُدهشك


أطفأ الكمبيوتر وأسند ظهره إلى المقعد الجلدي بخطوات متثاقلة محاولا أن يلتقط أنفاس يوم طويل انتهى للتو.
كان البيت ساكنا إلا من نسيم خفيف يحرك الستائر البيضاء وهمسات ضوء خاڤت ينبعث من مصباح الزاوية كأنه يذكره بأن الحياة مهما أثقلت الظهور ما تزال قادرة على أن تكون لطيفة.
في تلك اللحظة سمع وقع خطوات صغيرة مترددة خجولة خطوات يعرفها جيدا.
رفع رأسه فإذا بليا تقف عند باب غرفته تمسك ببطانيتها الزهرية تلك البطانية التي لا تنام دونها والتي نسجت معها حكايات خوف وطمأنينة جوع وحماية أيام شارع بارد وليال بلا سقف.
كانت تجر البطانية خلفها كأنها تسحب معها جزءا من الماضي وتدخل على استحياء إلى لحاضره.
قالت بصوت خاڤت يكاد ينكسر
بابا أيمكنني أن أسألك سؤالا
توقف قلبه لا بل ارتج صدره كله.
كم انتظر هذه الكلمة دون أن يدري
كم حلم بها دون أن يصرح لنفسه
كم بكت روحه حين قالتها أول مرة بخجل قبل أسابيع وها هي الآن تقولها بثقة طفولية ببراءة لا تعرف شروط الانتماء
ابتسم ونهض من كرسيه ببطء ثم قال وهو يشير إليها أن تقترب
طبعا يا ابنتي تعالي.
خطت نحوه بقدميها الصغيرتين جلس على ركبتيه حتى يصبح بعينيها أمسك بالبطانية ليساعدها لكنها هزت رأسها وكأنها تريد أن تحافظ على شيء من عالمها القديم.
رفعت رأسها إليه وفي عينيها ارتجاف لم يره منذ زمن ارتجاف يشبه السؤال ويشبه الخۏف ويشبه رغبة مكبوتة بالحماية
هل تظن أني سأكون يوما عبئا عليك
عبئا يجعلك لا تريد أن تحملني بعد الآن
انهار شيء داخله في تلك اللحظة.
انكسر شيء قديم في روحه كان يظن أنه اندمل.
كم من الليالي كانت هذه الطفلة تنام مكتومة الأنفاس خائڤة أن تستيقظ فلا تجد أحدا!
كم من المرات نامت على الرصيف وهي تحضن أختها الرضيعة تخشى أن يسرقها الليل أو يأكلها الجوع أو يختفي وجهها من العالم فلا يلاحظ أحد!
جثا على ركبتيه بالكامل الآن وأمسك بيديها بكل دفء وكأنه يريد أن يزرع الطمأنينة في جلدها أن يجعلها تشعر بأن هذا المكان هو بيتها حقا.
نظر في عينيها مباشرة وقال بصوت مفعم بالصدق
اسمعيني جيدا يا ليا اسمعيني بكل قلبك.
أنت لست عبئا.
لا أنت ولا جوليا.
أنتما النور الذي عاد إلى هذا البيت بعد أن ماټ الضوء فيه.
أنتما الحياة التي أعادت إلى قلبي قدرته على الخفقان من جديد.
ولن أتعب من حملكما أبدا.
بدت الدهشة على ملامحها الصغيرة ثم ارتسمت ابتسامة ابتسامة لم تحمل ظل خوف هذه المرة بل كانت ابتسامة طفل أدرك أخيرا أنه في مكان يستحقه وأنه لن يطرد منه.
اقتربت منه ألقت رأسها على كتفه ولف ذراعيه حولها كأن العالم كله يلتئم في هذا الحضن.
مرت الشهور ومع كل يوم كان شيء في المنزل يتغير شيء في روح روبيرتو ينمو شيء في عالم البنات يعاد ترميمه.
تحولت الحضانة المؤقتة
إلى تبن كامل
ووقع الأوراق كما يوقع عقد حياة جديدة لا كعقد قانوني فقط بل كقسم ممتد من قلبه إلى قلوبهن.
لم يعد العمل محور حياته بل صار يدور حول البنات
حول مدارسهن زيارات الطبيب حفلات الرسم وجبات الغداء المتأخرة والأسئلة التي لا تنتهي عن الحياة والسماء والبحر والأحلام.
كبر البيت لكن ليس بجدرانه.
كبر بضحكاتهن بعبثهن في المطبخ بصورهن المعلقة على الثلاجة بالألعاب المتناثرة في كل زاوية بالصړاخ الفرح في صباحات العطل.
لقد أنقذ روبيرتو طفلتين من زقاق مظلم
لكن ما لم يتوقعه أبدا هو أن الطفلتين بضعفهما بخوفهما بقلوبهما الصغيرة أنقذتاه هو من حفرة كان يغرق فيها كل يوم دون أن يشعر.
أنقذتاه من حياة بلا معنى.
من قلب فقد الإحساس.
من صمت كان يبتلعه ببطء.
فالأسرة أدرك الآن ليست دما فقط.
الأسرة قرار.
لحظة تقول فيها لنفسك
سأكون هنا مهما حدث.
ورحمة يزرعها الله في قلبك لتعيد بناء ما تهدم داخلك دون أن تطلب.
وفي النهاية لسنا دائما روبيرتو ولا ليا
لكننا جميعا نملك تلك اللحظة الفارقة
لحظة يمكن أن نكون فيها صوت الرحمة عينا لا تتجاهل الألم يدا تمتد فتغير مصيرا كاملا.