حافية القدمين إلى المجد: قصة خريجة هزّت القاعة والعقول


كأنه موجة تكسر جدار الصمت الطويل.
في تلك اللحظة شعرت أن قلبي لم يعد مجرد قلب في صدري بل شعلة تضيء القاعة كلها.
بعد انتهاء الحفل جاء إلي عدد من الطلاب ليلتقطوا صورا معي.
واحدة منهم همست لي قائلة
كنت على وشك أن أترك الدراسة لكن قصتك غيرت رأيي.
ابتسمت لها وقلت
لا تتركي الطريق أبدا حتى لو اضطررت إلى السير عليه حافية. فالحياة لا تختبرنا حين نبدأ بل حين نواصل.
حين خرجت من القاعة كان المساء قد بدأ يرخي ظلاله.
وضعت الشهادة في حقيبتي وحملت الحذاء بيدي وسرت نحو الطريق الطويل الذي أعرفه جيدا.
كانت الأرض دافئة وأصوات العصافير تعود إلى أعشاشها.
رائحة الغبار اختلطت بنسيم خفيف من الجبل.
كل خطوة كنت أخطوها كانت خفيفة رغم التعب.
لم أعد أرى الصخور عقبات بل شواهد على طريق عبرته بإصرار.
في منتصف الطريق توقفت عند الجدول الصغير الذي يمر بجانب التل.
جلست على صخرة وغسلت قدمي بالماء البارد كما فعلت صباحا لكن هذه المرة كان الشعور مختلفا.
كانت قدماي مبللتين بالفخر لا بالطين.
فتحت حقيبتي أخرجت الشهادة ونظرت إليها طويلا.
كتبت عليها اسم أمي بقلمي الصغير بجانب اسمي.
قلت لنفسي بصوت مسموع
هذه ليست شهادتي وحدي بل شهادة كل أم آمنت وكل ابنة مشت الطريق حتى النهاية.
ثم وضعت الحذاء إلى جانبي ولم أستطع منع نفسي من الابتسام.
تذكرت كيف كان المدير يخلعه أمام الجميع وتذكرت الوجوه التي نظرت إلي بإعجاب حقيقي لا شفقة.
أدركت أن تلك اللحظة غيرت شيئا في العالم ولو قليلا.
واصلت السير في الطريق نحو البيت والسماء قد احمرت عند الغروب كأنها تبارك نهاية الرحلة.
وفي قلبي كان وعد صامت
أن أعود كل عام إلى ذلك الجبل إلى كل فتاة صغيرة تنظر إلى البعيد وتحلم أن تكمل تعليمها.
سأحمل معها كتبها إن لزم الأمر.
سأخبرها أن الطريق صعب لكنه ليس مستحيلا.
وأن الحذاء الذي يمنح لا يوازي قدما مشت على الشوك من أجل الحلم.
وحين وصلت إلى بيتنا أخيرا كانت أمي تنتظر عند الباب تحمل فنجان قهوتها القديمة.
رأت الشهادة في يدي والحذاء في الأخرى فابتسمت بدموع لامعة وقالت
ألم أقل لك يا ابنتي إن التعب لا يضيع
فركضت نحوها واحتضنتها بقوة حتى شعرت أن قلبي يذوب في صدرها.
وفي تلك الليلة قبل أن أنام وضعت الحذاء عند باب غرفتي كرمز لا ينسى.
لم يكن مجرد حذاء كان وساما.
وساما من مدير أدرك أخيرا أن التفاني لا يعلم في القاعات بل يكتب على الطرق الترابية بخطوات عاړية تترك أثرها في الأرض وفي القلوب.
أغمضت عيني وقلت لنفسي
ليس المهم أن تبدأ حافيا المهم أن تستمر في السير.
وأنا لن أتوقف عن السير أبدا.