حافية القدمين إلى المجد: قصة خريجة هزّت القاعة والعقول


لا من البرد بل من المفاجأة.
تابع المدير وهو يخلع نظارته الذهبية ببطء ويمسحها بمنديل أبيض
كم مرة نسينا نحن الجالسين على الكراسي الوثيرة معنى أن يكافح إنسان ليصل إلى هذا المكان كم مرة مررنا على من يسير في الطرقات الترابية دون أن ندرك أن بين أقدامه حلما ينتظر لحظة التتويج
ثم الټفت نحوي مباشرة وقال بصوت خاڤت لكنه مسموع
آنسة راميريز حين رأيتك تدخلين حافية القدمين أخبروني أنك سرت ثمانية عشر كيلومترا لتكوني هنا اليوم. هل هذا صحيح
ارتفعت نبضات قلبي. شعرت بالحرارة تتجمع في وجهي لكنني تماسكت وقلت بهدوء
نعم سيدي. لكنني مشيت المسافة نفسها ست سنوات لأصل إلى فصولكم الدراسية. اليوم لم يكن مختلفا.
ساد الصمت. حتى الطيور التي كانت تغرد في الخارج بدت وكأنها توقفت لتسمع.
رأيت شيئا يتغير في عينيه شيئا يشبه الفخر الممزوج بالذنب. ثم فجأة فعل ما لم يتوقعه أحد.
انحنى وسط ذهول الجميع وبدأ يخلع حذاءه الجلدي الأسود اللامع. كان المشهد غير معهود في حفل رسمي.
وقف يحمل الحذاء بيديه ثم قال بصوت متهدج من التأثر
هذه الأحذية مشت على السجاد وفي المكاتب المكيفة وفي قاعات الاجتماعات لكنها لم تعرف الطريق الذي عرفته قدماك. هذه الأحذية لم تنل شرف أن تطأ الأرض التي سلكتها. أرجوك تقبليها. ليست هدية بل
تقديرا واحتراما.
تجمدت مكاني وعيناي تدمعان بلا إرادة. شعرت بأن العالم كله قد توقف عند تلك اللحظة.
من بين الصفوف رأيت أمي كانت تجلس في المقاعد الخلفية ترتدي فستانها القديم المزين بزهور باهتة وقد غطت فمها بيدها لتكتم بكاءها.
اقتربت من المدير ببطء ويدي ترتجف. أخذت الحذاء منه ولم أستطع أن أقول شيئا في البداية. كانت الكلمات تهرب من لساني كطيور مڤزوعة.
لكني رفعت رأسي وقلت بصوت خاڤت يحمل ما تبقى من قوتي
شكرا سيدي المدير لكن إن سمحت لي لن أرتديه الآن.
رفع حاجبيه باستغراب وهمس الجمهور فيما بينهم فتابعت وأنا أتنفس بعمق
أريد أن أنهي هذا اليوم كما بدأته بالقدمين اللتين أوصلتاني إلى هنا.
سأرتديه غدا عندما أبدأ أول يوم لي كمعلمة.
حين أبدأ بفتح الطرق لآخرين مثلما فعلت أنا حفاة بخطى بطيئة لكن ثابتة.
كانت القاعة قد تحولت إلى بحر من الدموع والتصفيق.
الطلاب وقفوا جميعا بعضهم يصفق بقوة وبعضهم يضع يده على قلبه.
إحدى الأستاذات كانت تبكي علنا تمسح دموعها بمنديل صغير وهي تهمس
يا إلهي كم نحن محظوظون برؤيتها اليوم.
تقدم المدير نحوي مرة أخرى وضع يده على كتفي وقال
آنسة راميريز التعليم بحاجة إلى أمثالك أنت اليوم أعطيتنا درسا أعظم من كل ما في كتبنا.
ثم الټفت إلى الجمهور وقال بصوت أعلى
لن يكون هذا يوم تخرج عادي. سيكون يوما نتذكره طويلا لأن فتاة جاءت من الجبل حافية القدمين لتذكرنا أن الطريق إلى الحلم لا يقاس بطول المسافة بل بصدق الخطوة.
صفق الجميع من جديد وارتفع التصفيق