من طفل منبوذ إلى رجل يختار المغفرة حين يعود الجلّاد طالبًا النجاة


ومساعدته ماليا خيار وليس واجبا 
أغمضت عيني فما الذي يجب أن أفعله
قال افعل ما يجلب لك السلام لا ما يجلب الذنب ولا الاڼتقام السلام فقط 
وضع يده على كتفي 
وقال مهما اخترت تأكد أنه خيار الرجل الذي أصبحته لا خيار الطفل الخائڤ الذي كنته 
تقلبت طوال الليل 
تذكرت الضړب والجوع والإهانات والخۏف 
تذكرت الملجأ والمتطوعين والأغاني والأيادي الرحيمة 
تذكرت الرجل الذي تبناني وناداني ابني 
وفجأة تبلورت داخلي حقيقة 
لم أعد ذلك الطفل غير المرغوب فيه 
لم أعد ضحيته 
لم تعد حياتي تشكل بقسوته 
لقد أصبحت أقوى 
وليس بفضله
بل رغما عنه 
في الصباح التالي أمسكت الهاتف وكتبت رسالة قصيرة 
أنا أسامحك 
وأتمنى لك الشفاء 
سأرسل شيئا لعلاجك لكنني لا أستطيع التورط أكثر من ذلك 
اعتن بنفسك 
لم تكن اڼتقاما 
ولم تكن قبولا 
كانت إغلاقا 
حجرا أخيرا أضعه فوق قبر الطفولة التي دمرها 
رد برسائل طويلة تتدفق فيها كلمات الامتنان كما لو كانت محاولة يائسة لإعادة كتابة تاريخ لا يمكن إصلاحه كتب مرارا وتكرارا أنه نادم وأنه أدرك متأخرا كم كان قاسېا وكم كان جاهلا وكم كان ظالما لطفل لم يطلب شيئا سوى الأمان توسل ترقب حاول أن يستدر شيئا من القلب الذي ظنه ما يزال مرتبطا به بطريقة ما 
لكنني لم أجب 
لم أشعر بالڠضب ولم أشعر بالشماتة شعرت فقط أنني قلت ما يجب أن يقال وقدمت ما كنت قادرا على تقديمه لا أكثر 
وللمرة الأولى منذ زمن بعيد زمن يمتد من طفولتي حتى شبابي غمرني إحساس بالخفة كأن ثقلا عاش فوق صدري لسنوات قد رفع فجأة شعرت كأن سلسلة صدئة كانت تربطني بماض مظلم قد انكسرت بصوت لا يسمعه أحد سواي كأنني كنت أسيرا طوال عمري وأخيرا وجد المفتاح 
اكتشفت في تلك اللحظة أن القوة ليست في الرد ولا في الرفض ولا في المواجهة بل في القدرة على أن تختار نفسك أن تختار سلامك أن تغلق الباب برفق دون أن ترتجف يدك 
اخترت الرحمة ولكن دون أن أتنازل
عن سلامي الداخلي 
اخترت المغفرة ولكن دون أن أسمح لجراح الأمس أن تفتح أبوابها من جديد 
اخترت أن أكون الرجل الذي علمني أبي بالتبني كيف أكونه لا الصبي الخائڤ الذي كانوا يريدون أن أصير إليه 
لست مثاليا 
ولست حاقدا 
ولكنني قبل كل شيء وبعده إنسان 
إنسان تعلم أخيرا أن النجاة ليست أن تهرب من الماضي بل أن تواجهه ثم تمضي قدما دون أن تلتفت