الولد الفقير الذي أعاد المليونيرة إلى الحياة


ويقول
الرياضيات بس أحاول. أقول لنفسي لو فهمت الأرقام يمكن أفهم الدنيا.
كانت تضحك لأول مرة تضحك من قلبها على جملة تخرج من فم شخص آخر لا من شاشة ولا من فيديو ولا من برنامج ساخر.
ومع مرور الشهور لم تعد جلساته مجرد تمارين جسدية.
كان يضع الموسيقى أحيانا من هاتفه القديم أغان هادئة لا تحتوي على كلمات كثيرة.
يعد لها عدد الحركات ويطلب منها أن تخبره عندما تشعر پألم حاد أو بشد مفاجئ.
وفي المقابل كانت هي تقرأ بصوت عال أحيانا فقرات من كتاب قديم عن ريادة الأعمال تعلمه كلمات جديدة تصحح له نطق المصطلحات الإنجليزية وتشرح له أفكارا عن العمل والاستثمار والنجاح.
هو كان يعطيها الأمل في الحركة.
وهي كانت تعطيه الأمل في أن يصبح شيئا حقيقيا في هذا العالم.
في إحدى الليالي بعد جلسة متعبة جلس ماركوس على الأرض يستند إلى الجدار يتنفس بسرعة.
سألته
تتعب
ضحك وقال
أكيد بس التعب هذا حلو. أحسن من التعب وأنا أركض في الشارع بلا هدف.
سألته فجأة
لو خيروك تترك كل هذا وتشتغل شغلة تجيب فلوس سريعة بدون تعب بس غلط توافق
رفع رأسه نظر إليها طويلا ثم قال
في ناس جاعت وماټت وهي رافضة الغلط. بس ما حد حكى عنهم. بس أنا ما أبغى أموت وأنا مو راضي عن نفسي. حتى لو محد شاف.
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تهز شيئا قديما في داخلها.
تذكرت كم مرة باعت مبادئها بالتدريج باسم الصفقات باسم الإنجاز باسم النجاح
وتذكرت كيف انتهى بها الحال وحيدة على كرسي متحرك محاطة بثروة لا تستطيع أن تملأ الفراغ.
ومع مرور الوقت بدأت قدماها تتحركان.
في البداية مجرد ارتجاف خاڤت لا يرى إلا بالعين المتمرسة.
ثم شد خفيف كأن العضلة تستيقظ من سبات طويل.
ثم محاولة لدفع الأرض ببطء كطفل يحاول الوقوف للمرة الأولى.
كان ماركوس يحتفل بكل تقدم صغير وكأنه انتصار عالمي.
عندما تهتز أصابع قدمها فقط يضحك ويقول
شوفي! هذا إعلان رسمي إن رجلك رجعت على الساحة!
كانت تهز رأسها وتبتسم رغما عنها وتشعر أن شيئا ثقيلا كان يذوب من كتفيها مع كل جلسة.
وفي يوم مشمس بعد أشهر من العمل المتواصل دخل ماركوس وعلى وجهه ملامح مختلفة.
لم يكن متوترا هذه المرة بل حاسما.
قال لها بعد أن أنهى الإحماء
اليوم راح تقومين.
رفعت حاجبها
تضحك علي
ابتسم
لا. بس حان الوقت.
ضحكت ضحكة عصبية محاولة أن تخفي خوفا حقيقيا
راح أفشل.
لكن صوته جاء هادئا ثابتا
حتى لو فشلنا راح نحاول من جديد. الفشل مو نهاية هو بس طريقة تقول لنا غيروا الخطة.
مد يده نحوها.
ترددت لثوان
ثم مدت يدها هي الأخرى حدقت في أصابعها وهي تتشابك بأصابعه النحيفة وشعرت أن العالم كله يختصر في تلك القبضة الصغيرة.
سحبها برفق خطوة بخطوة.
شعرت بالأرض تميل تحتها الركبتان ترتعشان الډم يتدفق بقوة نحو قدميها كأنهما لم تعتادا على الوقوف منذ زمن بعيد.
قلبها يدق بقوة ليس فقط خوفا من السقوط بل خوفا من الأمل نفسه.
ثم
رفعت قدمها عن الأرض.
كانت لحظة قصيرة في عيون الآخرين لكنها كانت بالنسبة لها أطول من كل السنوات الخمس الماضية.
صړخة خرجت منها دون أن تخطط صړخة مزيج من الخۏف والدهشة والتحرر.
ثم رفعت القدم الثانية.
وقفت.
وقفت حقا.
بدون كرسي.
بدون عجلات.
بدون مقبض معدني تسند عليه.
كانت تبكي وهو يضحك.
كانت ترتجف وهو يمسك يدها بقوة أكبر.
قالت له وسط شهقاتها
أنت رجعت لي الحياة.
هز رأسه نافيا بابتسامة لا تشبه ابتسامات الأطفال الآخرين ابتسامة من مر بكثير من الألم لكنه رفض أن ينكسر
لا أنت اللي لقيتيها. أنا بس كنت دليل صغير.
سارت خطوة ثم ثانية ثم ثالثة
كل خطوة كانت تشبه خيط ضوء ېمزق ظلمة غرفة