الولد الفقير الذي أعاد المليونيرة إلى الحياة


تضع الهاتف جانبا وكأن هناك صوتا خاڤتا في داخلها يقول اصبري جربي مرة أخرى.
ولولا جوع ماركوس ربما كانت طردته بالفعل.
كانت تعرف أنه لا يملك رفاهية الاختيار مثلها فهو محتاج لهذه الفرصة أكثر مما تحتاج هي لخدماته.
وهذا الشعور وحده كان يمنعها من قطع ذلك الخيط الرفيع بينهما.
ما كان يدهشها ليس التمارين نفسها
بل إصراره.
حماسه.
الضوء الذي يخرج من عينيه كلما بدأ جلسة جديدة وكأنه يرى نتيجة لا تراها هي بعد.
كان يأتي كل صباح وهو مبلل من المطر في الأيام الباردة وفي بعض الأيام كان يرتجف من البرد لأن قميصه الخفيف لم يعد يصلح لأجواء الخريف.
كانت قطرات الماء تسيل من أطراف أكمامه الممزقة على أرضية الرخام اللامعة فيترك وراءه أثرا صغيرا من البلل كخط باهت يعلن أنه مر من هنا.
ومع ذلك كان يقف أمام الباب وينفض الماء عن كتفيه ويقول بابتسامة صغيرة
أنا جاهز.
وذات صباح بينما كان يرفع ساقها اليسرى بحذر لاحظت شيئا لم تره من قبل
ندبة طويلة ممتدة عميقة بشكل لا يليق بطفل في عمره تمتد على جانب ضلوعه اليسرى كخط أبيض خشن يقسم جلده.
تقلصت ملامحها دون أن تشعر.
سألت بحدة انعكست فيها عادة قديمة في استجواب الموظفين المتخاذلين
شو هذي
تجمد ماركوس في مكانه.
يداه توقفتا أنفاسه انحبست وعيناه تهربتا نحو النافذة البعيدة.
كأنه سمع سؤالا
محرما سؤالا لا يطرح في العلن.
مو مهم.
قالها بسرعة وكأنه يحاول إغلاق باب فتح دون انتباه.
لكن كارولاين لم تكن من النوع الذي يتراجع.
خفضت صوتها لكنها شددت نبرتها تلك النبرة التي كانت تستخدمها عندما تريد أن تستخرج الحقيقة من بين أسنان محام مراوغ
ماركوس. أنا سألتك.
مرت ثوان طويلة قبل أن يتنفس بعمق.
ابتلع ريقه وعاد نظره يتحرك بين الأرض وجدار بعيد كأنه يبحث عن ملجأ.
ثم خرج صوته هادئا مكسورا يشبه اعترافا مرا
أبي ضړبني. لأني ما أجيب له فلوس. لأني أروح المكتبة. لأني ما أبيع أشياء غلط. لأنه قال لي العلم ما يأكلك عيش.
تلك الجملة الأخيرة غرست شيئا حادا في قلبها.
كم مرة سمعت هي عكس هذه الجملة بالضبط
حياتها كلها كانت مبنية على فكرة أن العلم والعمل والمعرفة هي التي تصنع الحياة.
بينما هذا الطفل يعيش مع رجل يرى أن العلم لا يطعم جائعا ولا يحمي من البرد.
صمتت كارولاين طويلا.
طويلا لدرجة جعلت ماركوس يظن أنه ارتكب خطأ فادحا بحديثه.
كاد يقول آسف خلينا نكمل وكأن شيئا لم يكن.
لكنها كانت في عالم آخر.
لأول مرة منذ خمس سنوات أحست أن الألم في صدرها ليس فقط ألم فقدان الساقين بل ألم رؤية انعكاس حياتها المکسورة في عيون طفل لم يعط حتى فرصة البداية.
لم تنطق باعتذار.
لم تقل كلمة تعاطف.
لكن نظرتها لم تعد هي النظرة نفسها.
ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء بينهما.
بدأت تستيقظ قبل الموعد بوقت أطول.
لم تعد تنتظر صوت جرس الباب بضجر بل أصبحت تلتفت إلى الساعة مرارا وكأنها تخشى أن يتأخر.
مرة حين تأخر عشر دقائق شعرت بانقباض غريب
ماذا لو حصل له شيء ماذا لو منعه أبوه ماذا لو لن يأتي مرة أخرى
وعندما دق الجرس أخيرا فتحت الباب بنفسها لأول مرة بدل أن تطلب من حارس المبنى أن يصعد به.
كان واقفا يلهث قليلا يحمل دفتره ويقول
آسف ركضت آخر الطريق عشان ما أتأخر أكثر.
لم تكن معتادة أن يعتذر أحد لها بهذا الإخلاص.
هزت رأسها فقط وقالت
ادخل.
في الأيام التالية لم يعد الحديث بينهما مقتصرا على التمارين.
كانت تسأله عن المدرسة
أي مادة تحب
فيجيب بحماس طفولي لا يمكن إخفاؤه
الأحياء أحب أفهم كيف الجسم يشتغل. وكيف العضلة تتحرك. وكيف الچرح يلتئم.
تتفاجأ.
تسأله
وأصعب مادة
يضحك