في ليلة الزفاف اكتشفت الحقيقة التي أخفتها أربعون عامًا


فلا تتألم وأن نقول لصاحبتها لست مچروحة اليوم أنت إنسانة تشفى. اكتشفت أن الرجل قد يتعلم في الحادية والستين ما لم يتعلمه في العشرين أن الحب لا يطلب دليلا ولا يفرض شكلا بل يمنح مسافة آمنة لينمو. اكتشفت أنني لا أريد أن أكون بطلا في حكاية أحد أريد فقط أن أكون سببا في أن ينام الليل هادئا في بيتنا.
مرت سنة. لم أعد أعد الأيام على طريقة الأرامل. صارت الأيام تحسب بطريقة أخرى كم مشيا مشينا على ضفة البحيرة كم فنجان قهوة بالهيل صنعناه في صباح خجول كم مرة أشعلنا شمعة الأحد كم ضحكة خالصة خرجت من القلب ووصلت إلى العينين. نظرت إلى ليندا وهي ترتب هدب الستارة لتدخل الشمس أكثر فشكرتها في سري على الشجاعة التي علمتني إياها وعلى حنان لم يكن يستعرض نفسه ولا يطالب بتصفيق. اقتربت منها وضعت يدي على كتفها شعرت بعظامها الصغيرة تحت الجلد ثم مررت يدي برفق على ظهرها فوق اللحاف الأزرق. لم ترتجف. التفتت إلي بعينين فيهما ماء قليل الدموع وكثير الضوء. قالت أتعرف منذ زمن لم أشعر أن ظهري ظهر عادي. اليوم أشعر أنه جزء مني لا أخافه. قلت وأنا أشعر أن ظهري صار لك سندا إن ضعف يوما.
خرجنا ذلك المساء إلى الشرفة. كانت أنوار كليفلاند البعيدة تلمع بنقاط صغيرة كأن نجوما قررت أن تسكن الأرض لبعض الوقت. جلسنا متجاورين لا نحتاج إلى كلام كثير. مرت قطة تشمشم في أطراف العشب ومرت رائحة خبز من بيت الجيران وفكرت أن الحياة تطحننا ساعات طويلة لتصنع لنا فتاتا من خبز حلو كهذا فلو أننا انتبهنا لكل فتات صغير لربما شكرنا أكثر. قلت
بصوت خاڤت شكرا لأنك سمحت لي أن أكون هنا. قالت شكرا لأنك لم تحاول أن تسرع الزمن. بقيت أنظر إلى الشارع وأحسست أن الليل ليس خصما كما كان وأن الظلام حين يقاس بالدفء الذي في الداخل يصير أقل صرامة وأكثر آدمية.
حين دخلنا وأغلقنا الباب نصف إغلاق كما اعتدنا تذكرت الليلة الأولى حين تجمدت وأنا أرى الندوب. شعرت الآن أني لم أعد مشلۏلا. كنت واقفا ربما ليس بصلابة من يحمل العالم لكن بصلابة تكفي لحمل يد تتعرف إلى نفسها من جديد. وضعت دفتري على الطاولة وكتبت لم أتزوج في هذا العمر لأثبت أن الحب ممكن فحسب بل لأتعلم أن الحب الصحيح هو الذي يترك لك ظهرا بلا خوف ونافذة يدخل منها الصباح دون استئذان. رفعت رأسي فرأيت ليندا تبتسم لي ابتسامة لا تشبه ابتسامات التعارف الأولى ابتسامة فيها وعد لا يحتاج إلى قسم. قلت هل أنت سعيدة قالت نعم بما يكفي لئلا أخاف من الليل. قلت وأنا. أطفأنا المصباح وسحبنا اللحاف وتشابكت أصابعنا كما تشابكت في تلك الليلة لكن كل شيء كان مختلفا. كان القلب مطمئنا وكانت الروح تميل على الروح كما يميل غصن أخضر على غصن أخضر. وحين غفونا شعرت أننا نائمون في بيت تعلم أخيرا كيف يتنفس.