اشترت أرضًا مهجورة وسخر الجميع منها… ما وجدته تحت التراب غيّر القرية للأبد


تقارب نصف ساعة سيرا.
كانت آنا ترافقها بوعاء صغير فخورة بمساعدتها.
أما روزا فكانت تنام في الظل حين يشتد الحر.
زرعت تيريزا الفاصولياء والذرة واليقطين وأنفقت آخر ما لديها على البذور كما ينفق المرء على الأمل.
سقت وانتظرت.
لكن البراعم كانت تنبت ضعيفة ثم ټموت سريعا كأن الأرض ترفضها.
في القرية تصاعدت الهمسات
مسكينتان هاتان الطفلتان.
تلك المرأة عنيدة.
كانت تيريزا تسمع كل شيء لكن في كل مرة ترى ابنتيها تلعبان كانت تتذكر سبب وجودها هناك
لأنهما لا ينبغي أن تكبرا وهما تعتقدان أن العالم يقرر مصير المرأة.
في إحدى الليالي وقد أنهكها التعب همست بدعاء
يا رب لا أعلم إن كنت قد أحسنت الاختيار لكن ابنتي بحاجة إلي. إن كانت هناك بركة مدفونة في هذه الأرض فأرشدني إليها.
في اليوم التالي اتخذت قرارا يائسا وشجاعا في آن واحد.
إن لم تعط الأرض من سطحها فستبحث في عمقها.
اختارت زاوية من الأرض وبدأت تحفر حفرة كبيرة.
كانت كل ضړبة صراعا مع التربة.
سخر الجيران
إنها تحفر قپرها.
لم ترد.
واصلت الحفر.
وفي صباح ما حين أصبح الحفر عميقا تغير صوت الأرض.
غرست تيريزا المعول وشعرت برطوبة.
ضړبت مرة أخرى.
ثم سمعت صوتا مختلفا.
ماء
بدأ يتدفق ببطء ثم بقوة. صاف حي يصعد من الأعماق.
سقطت تيريزا على ركبتيها مبتلة تضحك وتبكي في آن واحد.
آنا! ماء! لدينا ماء!
نظرت آنا بعينين واسعتين.
من أين جاء يا أمي
من الله يا ابنتي.
في تلك الليلة لم تنم تيريزا.
كانت تنظر إلى النبع وهو يتدفق بلا توقف وتفكر في النساء اللواتي يمشين حاملات الدلاء وفي الأطفال العطشى.
وسألت نفسها سؤالا أثقل من الذهب
هل تحفظ البركة أم تشارك
قررت أن تشاركها.
حفرت قنوات وتركت الماء يجري.
خلال أيام بدأت الحديقة تخضر.
وخلال أسابيع أصبحت أرضها الوحيدة الخضراء في محيط كيلومترات.
تغيرت نظرات الجيران.
عادت دونيا بيترا.
من أين حصلت على الماء
بالحفر عميقا أجابت تيريزا.
هل تبيعينه
هزت تيريزا رأسها.
لا أبيع. من يحتاج فليأت.
انتشر الخبر سريعا.
جاءت عائلات بأكملها تحمل الدلاء.
ولم يعد أحد ېموت عطشا ما دام ذلك الماء يتدفق.
ومع الماء جاء الاحترام.
في أحد الأيام ظهر أنطونيو فلاح بيدين متشققتين.
جئت لأشكرك قال محصولي نجا بفضلك.
أحضر بذورا فاصولياء وذرة مقاومة.
عاد في اليوم التالي ثم الذي بعده.
ساعد أنطونيو في إصلاح البيت لوحا بعد لوح وسقفا بعد سقف كأنما كان يعيد ترميم شيء أعمق من الجدران. لم يكن كثير الكلام لكنه كان حاضرا بثبات يشبه الأرض حين تستقر بعد المطر. كان يعرف متى يعمل ومتى يصمت
ومتى يترك المكان لضحكات الطفلتين.
أحبته آنا حبا فوريا حب الأطفال الذي لا يعرف الحسابات ولا الحذر. كانت تركض نحوه كلما رأته قادما من بعيد تمسك بيده وتريه ما زرعته أمها أو تحكي له عن حلم رأته في الليل.
أما روزا فكانت تبتسم كلما وقع بصرها عليه ابتسامة صغيرة صامتة لكنها صادقة كأن قلبها الصغير أدرك قبل الكلمات أن هذا الرجل لا يحمل ټهديدا.
كانت تيريزا تراقب كل ذلك