انا الملك وهى جارية


العربية طول الطريق. ناهد كانت باصة من شباك العربية، دموعها نشفت، بس عيونها لسة فيها انكسار بېحرق الأعصاب. أول ما دخلنا البيت، رميت مفاتيحي على التربيزة وقلت لها بنبرة ساخرة ادخلي غيري هدومك دي، ريحة المطبخ لسه فيكي، شكلِك يقطع الخميرة.
دخلت الأوضة من غير ولا كلمة، زي المأمور، وأنا قعدت على الكنبة وطلعت تليفوني. من غير ما أهتم بوجودها اللي بقى باهت، اتصلت ب ندى.
سمعت صوتها بيضحك من أول رنة ألو.. يا سامح؟ لسه مروحين؟
عليت صوتي عمدًا عشان ناهد تسمع كل حرف، وبدأت أتكلم بدلع ومياعة يا نودا، البيت من غير ضحكتك بقى ضلمة. العزومة كانت وحشة جداً، لولا إنك كنتِ موجودة كانت تبقى يوم كئيب.
ندى ضحكت بدلع وقالت يا واد يا بكاش، ومراتك اللي كانت واقفة جنبك دي؟
رديت عليها وأنا بوزع نظراتي على ناهد اللي وقفت ورا باب الأوضة، جسمها بيتنفض من القهر مرات مين؟ دي؟ دي يا بنتي مجرد خدامة في البيت ده، بتسد خانة وبتشيل قرفنا، بس فينها وفين رقتك؟ دي لو لبست إيه، ما يجيش في ضفرك. كفاية إنها پتخاف مني زي العيال الصغيرة، مش زيك إنتِ يا ست البنات، إنتِ اللي تملي العين وتستاهلي الدلال.
ندى زادت في الضحك وقالت كلام يغذي غروري، وأنا كملت في الكلام السام اللي بيقطع في ناهد، وهي واقفة مسمّرة مكانها، عينيها مکسورة تماماً، ومبقاش عندها حتى طاقة ترد.. هي عارفة دلوقتي إنها بقت في نظري مجرد أداة، وإن قيمتها الحقيقية في الأرض، تحت رجلي ورجل اللي بختارهم عشان أغيظها بيهم.
اليوم ده كان مختلف عن كل يوم فات. العادة إنها بعد كل پهدلة، تدخل تنام من كتر التعب والقهر، لكن الليلة دي ناهد مانمتش. فضلت صاحية طول الليل.
الساعة بقت تلاتة الصبح، وأنا نايم في سريري ماليش دعوة بحاجة، قمت أشرب، لقيت النور مطفي في الصالة، بس هي قاعدة في الضلمة على الكنبة. رجليها ملمومة عند صدرها، ومقرفصة زي اللي مستنية مصېبة، وعينيها مبرقة في الفراغ. الهدوء اللي كان طالع منها ليلتها كان مرعب، مش هدوء الخۏف بتاع كل مرة، لأ.. ده كان هدوء غريب ومريب، كأن في فكرة تانية خالص بتدور في دماغها.
قربت منها وقلت بمنتهى البجاجة جرى إيه يا سنيورة؟ قعدة زي العفاريت في الضلمة ليه؟ خشّي اتخمدي وراكي تنضيف من النجمة.
ما ردتش، ولا حتى اتخضت من صوتي المفاجئ. يدوب لفت راسها براحة وبصت لي.. النور اللي جاي من الشارع كان ضارب في عينيها، وشفت لمعة غريبة مش مفهومة. ما عيطتش، ولا نزلت دمعة واحدة، كانت بتبص لي بنظرة طويلة، باردة، وخالية من أي مشاعر.. نظرة خلتني لأول مرة أحس بنغزة قلق صغيرة جوة قلبي، بس كابرت وولعت النور
وقلت لها
أنا مابحبش الجنان ده، اتعدلي بدل ما أعدلك!
قامت براحة من غير ما تنطق بحرف، ودخلت المطبخ. فضلت واقف وراها بمراقبها، لقيتها بتعمل كوباية شاي بحركات بطيئة وموزونة بالمسطرة، إيديها ما كانتش بترتعش زي العادة. قعدت على طرابيزة المطبخ وفضلت صاحية لحد ما الفجر أذن والنور بدأ يشقشق.. والكسرة اللي في عينيها اتحولت لشيء غامض، كأنها بتعيد حسابات كل السنين اللي فاتت في ليلة واحدة، وبتخطط لحاجة أنا لسه مش قاريها.