يوم فرح اخويا الوحيد

يوم فرح أخويا الوحيد، جوزي طلع خمسين جنيه مكرمشة من جيبه، رماها على ترابيزة النقوط وقال بصوت عالي قدام الناس كلها:
"أهلك دول فلاحين... هيشوفوا الخمسين جنيه دي كأنها مليون!"
في اللحظة دي حسيت إن حد سكب ڼار على وشي.
مش عشان الفلوس...
لكن عشان أمي كانت واقفة تسمع.
وأخويا العريس كان واقف يسمع.
وأهلي كلهم كانوا واقفين يسمعوا.
بعد خمس سنين جواز، كنت فاكرة إني اتعودت على غروره وتعاليه، لكن اللي عمله في الليلة دي كان أكبر من أي إهانة شفتها في حياتي.
من أول ما وصلنا البلد وهو بيتعامل مع أهلي كأنهم مش موجودين.
أمي جريت تستقبلنا بفرحة، ما بصش في وشها.
خالي مد إيده يسلم عليه، سابه واقف وإيده في الهوا.
مرت خالي مسحتله الكرسي بنفسها عشان يقعد مرتاح، راح مطلع كيس بلاستيك وفرشه فوق الكرسي كأنه قاعد في مكان ملوث.
وكل ما حد يحاول يكرمه أو يرحب بيه، يرد بكلمة تكسر الخاطر أكتر من اللي قبلها.
كنت بمۏت من الكسوف.
وكل شوية أعتذر للناس مكانه.
لحد ما جه وقت النقوط...
اللحظة اللي عمري ما هنساها.
لما رمى الخمسين جنيه وقال جملته السامة، حسيت إن قلبي اتكسر قدام أهلي كلهم.
لكن أمي...
أمي عملت الأصعب.
ابتسمت.
أيوة... ابتسمت.
وكأنها ما سمعتش حاجة.
وكأن الكلام ما وجعهاش.
وكأن قلبها ما اتكسرش.
ولما مشينا قبل ما نفرح حتى بأخويا العريس، قالتلي وهي مخبية دموعها:
"خلي بالك من جوزك يا بنتي... وربنا يسعدكم."
طول الطريق وأنا ساكتة.
أما هو؟
كان مبسوط.
مبسوط لأنه خلص الواجب ومشي.
وفجأة قال وهو بيضحك:
"متنسيش الـ10 آلاف جنيه بتوع شيماء."
بصيتله باستغراب.
قال بفخر:
"أختي لازم تتنقط قدام الناس كلها بمبلغ يليق بينا. دي هتعمل فرحها في أكبر قاعة في البلد. عايز الكل يعرف إحنا مين."
ساعتها فهمت كل حاجة.
فهمت إن الراجل اللي استكثر على أخويا خمسين جنيه...
مستعد يدفع عشرة آلاف عشان الناس تسقف له.
وفهمت إن المشكلة عمرها ما كانت فلوس.
المشكلة كانت احترام.
كرامة.
وأصول.
ابتسمت لأول مرة من أول الليلة.
ابتسامة هادية خالص.
وقلتله:
"متقلقش يا حبيبي... أنا هجهز لشيماء مفاجأة تليق بيكم جداً."
ابتسم وهو راضي.
افتكر إني أخيراً بقيت مقتنعة بكلامه.
ما كانش يعرف إن بعد يومين بس...
وفي وسط فرح أخته...
وأمام أهل العريس والمعازيم كلهم...
هيحصل موقف هيخليه واقف مكانه مش قادر ينطق حرف واحد.
وهيتمنى لو رجع الزمن بيه لليلة فرح أخويا وما نطقش الجملة اللي غيرت كل حاجة...

في فرح شيماء، أخت جوزي، كانت القاعة منورة كأنها قصر.
نجوم معلقة في السقف، ورد مستورد في كل ركن، وشاشات ضخمة بتعرض صور العروسة من وهي صغيرة.
وجوزي ما كانش سايب حد إلا ويقوله:
"الفرح ده كلفني رقم محدش في البلد يقدر يدفعه."
وكان كل شوية يكرر نفس الجملة:
"إحنا غير... وإحنا مستوى تاني."
وأنا واقفة أراقب في هدوء.
لحد ما جه وقت النقوط.
اللحظة اللي كان مستنيها من يوم ما سخر من أهلي.
طلع ظرف أبيض كبير من جيبه، ووقف قدام الناس كلها.
فتح الظرف ببطء واستعراض، وأخرج عشرة آلاف جنيه.
ورفعهم في الهوا.
والتصفيق اشتغل.
وابتسامته وصلت لأذنيه.
لكن قبل ما يحط الفلوس على الترابيزة، مسكت الميكروفون.
كل الناس بصتلي باستغراب.
حتى هو نفسه اتجمد مكانه.
قلت بهدوء:
"استنوا لحظة... أنا كمان عندي هدية بسيطة للعروسة."
شيماء ابتسمت.
وأهل جوزي افتكروا إني هطلع شبكة أو دهب أو أي مفاجأة غالية.
لكن اللي طلعته كان صندوق خشب صغير.
حطيته فوق الترابيزة.
وساعتها بدأ القلق يظهر على وش جوزي.
لأنه عرف الصندوق.
كان نفس الصندوق اللي بحط فيه الصور والذكريات القديمة.
فتحت الصندوق.د