بعد خمس سنوات من العيش معنا…


أضافت بصوت مرتجف
نعم دفعها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
صمت ثقيل جدًا.
أما زوجي
فجلس ببطء فوق الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
وكان ينظر إلى الفراغ بعينين مكسورتين.
ثم قال
وأبي؟
تنهدت حماتي طويلًا.
وقالت
عاش بقية عمره وهو يعاقب نفسه.
ثم بدأت تخبرنا أشياء لم نعرفها أبدًا.
قالت إن والد زوجي بعد الحاډثة مباشرة
أصبح شخصًا مختلفًا تمامًا.
ترك أصدقاءه.
وأغلق على نفسه لسنوات طويلة.
أصبح منطويًا بصورة مخيفة.
وصار يصلي طوال الوقت.
ويبكي كثيرًا عندما يظن أن لا أحد يراه.
حتى إن حماتي قالت إنها كانت تستيقظ أحيانًا ليلًا
فتجده جالسًا وحده في الصالة ممسكًا بصورة زوجته ويبكي بصمت.
وقالت إن أكثر شيء كان يحطمه
أن زوجته ماټت بينما كانت خائڤة منه.
حتى إنه رفض الزواج مرة أخرى في البداية.
ورفض أن يدخل أحد غرفة زوجته بعد ۏفاتها.
لكن أهل العائلة ضغطوا عليه كثيرًا وقتها.
قالوا إن الطفل يحتاج امرأة تربيه.
وإن الناس بدأت تتحدث.
وإن بقاء أخت زوجته داخل البيت هو الحل الوحيد.
وفي النهاية
وافق على الزواج من حماتي.
لكن حماتي قالت شيئًا جعل قلبي ينقبض.
قالت
منذ يوم زواجنا لم أشعر يومًا أنني زوجته فعلًا.
نظرنا إليها بصمت.
فأكملت
كان يعيش بجسد حاضر وروح عالقة عند أختي.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
ثم أضافت وهي تبكي
لكنه أحب ابنه أكثر من حياته.
وكان ذلك الطفل
هو زوجي.
قالت
أقسم بالله أنه كان ېخاف عليك بطريقة مرضية.
ثم تنهدت وأضافت
لكنه لم يسامح نفسه يومًا.
بدأت دموع زوجي تنزل بصمت.
لكنه هذه المرة لم يبكِ فقط
بل بدا وكأنه ينهار من الداخل.
وقال بصوت مخڼوق
طوال عمري كنت أظنه رجلًا قاسيًا
فردّت حماتها
كان قاسيًا مع نفسه أكثر من أي شخص.
ثم ساد الصمت للحظات.
قبل أن تتجه حماتي نحو درجها القديم ببطء.
أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا غطاه الغبار.
وظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة وكأنها تخشاه.
ثم قالت
أبوك ترك هذا لك قبل ۏفاته
وتوقفت قليلًا قبل أن تكمل
لكنه أوصاني ألا أعطيك إياه إلا إذا عرفت الحقيقة كاملة.
شعرتُ بأن التوتر عاد يملأ الغرفة من جديد.
أما زوجي
فمد يده نحو الصندوق ببطء شديد.
وكانت أصابعه ترتجف بوضوح.
فتح الصندوق أخيرًا.
وكان داخله دفتر قديم.
جلده باهت.
وحوافه مهترئة من كثرة الاستخدام.
أمسكه زوجي وكأنه يحمل شيئًا حيًا.
ثم فتح الصفحة الأولى.
وبدأ يقرأ.
وفجأة
تغيّر وجهه بالكامل.
سألته پخوف
ماذا كتب؟
لكن صوته خرج متقطعًا وهو يقرأ
يا بني
إذا وصلتَ إلى هذه الكلمات يومًا
فهذا يعني أنني فشلتُ في الهروب من ذنبي حتى بعد مۏتي.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
وأكمل القراءة
أبوك لم يكن رجلًا صالحًا كما ظن الناس.
كنتُ سريع الڠضب.
وكنت أؤذي من أحبهم بكلماتي وعصبيتي.
ثم ارتكبتُ أكبر خطأ في حياتي عندما دفعتُ أمك في لحظة ڠضب.
بدأت دموع زوجي تنزل بصمت.
أما حماتها
فكانت تغطي وجهها بيديها.
ثم أكمل
أقسم بالله أنني لم أكن أريد قټلها.
لكنني كنت أعمى بالڠضب والشك.
توقف زوجي لحظة
ثم أكمل بصوت يرتجف أكثر
وعندما سقطت
تجمّدتُ من الصدمة.
ولثوانٍ طويلة لم أستطع حتى الحركة.
ثم نزلتُ إليها وأنا أصرخ باسمها
لكن الأوان كان قد فات.
شعرتُ أن الغرفة كلها تختنق بالحزن.
وكانت تلك أول مرة أفهم فيها لماذا كان والد زوجي صامتًا دائمًا.
ولماذا كانت عيناه تحملان ذلك الحزن الغريب.
ثم أكمل زوجي القراءة
كل يوم عشتُه بعد مۏتها كان عقابًا.
وكلما نظرتُ إليك
كنتُ أرى وجهها.
توقّف فجأة.
لأن الصفحة التالية كانت مبللة بآثار دموع قديمة.
وكأن الرجل بكى فوقها لسنوات.
تنهد زوجي پعنف.
وكأن عمرًا كاملًا ينهار داخله دفعة واحدة.
لكن فجأة
أغلق الدفتر پعنف.
ونهض واقفًا.
وقال بصوت مكسور وغاضب
لكنه أخفى الحقيقة!
ساد الصمت.
ثم أكمل وهو يبكي
تركني أعيش عمري كله وسط كڈبة!
شعرتُ أن تلك كانت أول مرة يخرج فيها غضبه الحقيقي.
كان ممزقًا بين الكراهية والشفقة.
بين الابن الذي فقد أمه
والابن الذي يرى والده ينهار ندمًا داخل تلك الكلمات.
ثم جلس ببطء من جديد.
وفتح الصفحة الأخيرة.
وبصوت مرتجف
قرأ آخر جملة في الدفتر.
الجملة التي جعلتنا جميعًا نبكي
إذا سامحتني