لو سألتيني مرة كمان أنا بعمل إيه جوه

لو سألتيني مرة كمان أنا بعمل إيه جوه الحمام الساعة أربعة الفجر... أقسم بالله هسيب البيت ده.
دي كانت الجملة اللي قالها لي جوزي بعد خمسة وتلاتين سنة جواز.
اسمي إلهام عبد الحميد. عندي تمانية وسبعين سنة، وطول عمري كنت فاكرة إني أعرف جوزي أكتر من أي حد في الدنيا.
كنا عايشين في بيت بسيط في شبرا، بيت اتبنى حتة حتة على سنين طويلة من الشقا، والسلف، والمرتب اللي كان بيخلص قبل آخر الشهر. جوزي، راضي، كان الراجل اللي الناس كلها تقول عليه محترم وابن حلال. هادي، بيشتغل طول عمره، عمره ما رجع البيت سکړان، ولا رفع صوته عليّا، ولا عمل مشاكل.
والناس كلها كانت بتقول إني محظوظة بيه.
اتعرفت عليه سنة ١٩٧٠ في فرح بنت قريبتي. كان عنده خمسة وعشرين سنة وبيشتغل في مصنع حديد في حلوان، وأنا وقتها كنت لسه عايشة تحت سيطرة أبويا الصارمة. اتجوزنا بعدها بسنة، وخلفنا ولد وبنت محمود ومنى.
مكنّاش أغنيا، بس عدّينا سوا من كل الظروف الصعبة اللي الحياة رمتها في وشنا.
لكن كان فيه عادة عند راضي عمرها ما بطلت تاكل في قلبي حتة حتة.
كل يوم... من غير ولا مرة يتأخر... كان يصحى الساعة أربعة الفجر بالظبط.
يقوم بهدوء من جنبي، ويمشي للحمام الصغير اللي جنب أوضة الغسيل، ويقفل الباب بالمفتاح، ويفضل جواه حوالي ساعة كاملة.
في الأول افتكرت عنده مشاكل في معدته.
بعدها بدأت أفكر يمكن بيصلي... يمكن بيعيط... يمكن مخبي إدمان... أو حتى بيكلم حد في السر.
بس ولا حاجة كانت منطقية.
مكانش بيشرب سجاير. ولا عمره سهر برا البيت. ولا عنده صحاب يختفي معاهم. راضي كان عايش كأنه خاېف يغلط أي غلطة في الدنيا.
أغرب حاجة ما كانتش الروتين نفسه...
كانت السِرّية.
أوقات كنت أسمع صوت المية شغالة بهدوء. صوت علب دوا بتخبط في الحوض. صوت أكياس بلاستيك بتتفتح. وأحيانًا... كنت أسمع منه صوت مكتوم... كأنه بيتوجع وبيحاول يمنع نفسه ېصرخ.
أول مرة سألته بشكل مباشر، وشه اصفر فجأة.
قال بعصبية
دي مشاكل في المعدة يا إلهام... متسأليش تاني.
فسكت.
إحنا ستات الجيل ده اتربينا نسكت. مانسألش كتير. مانحرجش جوازاتنا. وما نفتحش أبواب مقفولة.
لكن كانت فيه حاجات تانية.
راضي عمره ما لبس نص كم... حتى في عز حر أغسطس. عمره ما غير هدومه قدامي. وحتى في لحظات قربنا من بعض، كان مُصرّ إن النور يفضل مطفي.
ولو فجأة من ضهره... جسمه كله كان يتشنج كأنه حجر.
وفي ليلة، بعد ما العيال كبروا واتجوزوا، مقدرتش أستحمل أكتر من كده.
قلتله
في ست تانية في حياتك؟
المعلقة وقعت من إيده جوه طبق الشوربة.
بصلي پخوف عمري ما شفته في عينيه قبل كده.
قال بسرعة
ماتقوليش كده.
صړخت فيه
أمال إيه اللي مخبيه عني؟!
اتفاجئت بيه وهو بيقوم من على السفرة وإيده بتترعش...
وبعدين عيط.
خمسة وتلاتين سنة جواز، ودي كانت أول مرة أشوف جوزي بيعيط.
وقال