طلبقتي


قبل ما تحس بيا.
بس من اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.
الصبح، صحيت على ريحة قهوة.
خرجت لقيتها واقفة في المطبخ لابسة تيشيرت واسع من بتوعي كنت سايبه من زمان في الدولاب عشان يوسف يستخدمه في الرسم.
أول ما شافتني، اتوترت وقالت آسفة ملابسي كانت مبلولة شوية.
قلت بسرعة لا عادي.
وفي ثانية غريبة جداً، حسيت إننا رجعنا عشر سنين لورا.
هي بتعمل القهوة. وأنا واقف مستني دوري في الحمام. والبيت دافي بشكل مريح.
يوسف صحي بعدها بدقايق، ولما شافنا واقفين جنب بعض، ابتسم الابتسامة الصغيرة اللي الأطفال بيعملوها لما يحسوا إن العالم رجع مظبوط.
اليوم ده كان المفروض يعدي وينتهي.
بس منتهيش.
نهى أجلت رجوعها للتجمع لبعد الضهر عشان المطر.
اتغدينا سوا.
لعبنا أنا ويوسف وهي لعبة الديناصورات على الأرض. وفي لحظة معينة، لقينا نفسنا بنضحك بصوت عالي جداً عشان يوسف كان مصمم إن الديناصور الطبيب يعالج الديناصور الشرير بدل ما يحبسه.
قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت شكراً على امبارح.
قلتلها أي وقت.
وسكتنا.
كان واضح إن في كلام كتير واقف بينا، بس محدش عارف يبدأه إزاي.
بعدها بأسبوع، يوسف جاله دور برد جامد.
نهى جت بسرعة أول ما عرفت، وقعدنا إحنا الاتنين طول الليل نحط كمادات ونقيس الحرارة ونبدل أدوار النوم.
وفي الساعة أربعة الفجر، بعد ما يوسف أخيراً نام وحرارته نزلت، لقينا نفسنا قاعدين جنب بعض في المطبخ ساكتين.
نهى بصتلي وقالت بهدوء إحنا كنا فريق حلو أوي.
ضحكت بحزن أيوه كنا.
قالت هو إحنا بُعدنا ليه قوي كده يا أحمد؟
السؤال كان بسيط. بس إجابته معقدة بشكل يوجع.
قلتلها بعد تفكير طويل يمكن عشان كل واحد فينا كان مستني التاني يلاحظ تعبه وفي الآخر الاتنين تعبوا لوحدهم.
عينيها لمعت.
وقالت أنا كنت فاكرة إنك بقيت مبسوط من غيري.
ضحكت ضحكة قصيرة وأنا كنت فاكر نفس الحاجة.
من الليلة دي، بقينا نتكلم أكتر.
في الأول عن يوسف. بعدين عن الشغل. بعدين عن الحياة بشكل عام.
بقينا نشرب قهوة أحياناً بعد ما يوسف ينام. نبعت لبعض صور حاجات تضحك. نتخانق هزار على أحسن فيلم كارتون. نفتكر مواقف قديمة ونضحك عليها.
وببطء شديد الغربة اللي بينا بدأت تخف.
بس الخۏف كان موجود.
خوف إننا نرجع نكرر نفس الغلط. وخوف أكبر إننا منجربش أصلاً.
عدى حوالي شهرين على الليلة بتاعة المطر.
وفي يوم خميس، المدرسة كانت عاملة حفلة صغيرة للأطفال والأهالي.
يوسف كان عامل مشروع عن المجموعة الشمسية، ومصر يشرح لكل الناس إن بلوتو مظلوم ومش واخد حقه.
أنا ونهى كنا واقفين جنبه وهو بيتكلم بحماس، وفجأة المدرسة افتكرت إننا متجوزين، فقالتلنا ابنكوا نسخة حلوة منكم الاتنين.
أنا ونهى بصينا لبعض وسكتنا.
لكن المرة دي، السكوت مكانش مريح ولا مؤلم كان مجرد لحظة صادقة.
بعد الحفلة، يوسف جري يلعب مع صحابه، ونهى وقفت جنبي في جنينة المدرسة.
وقالت من غير مقدمات أنا خاېفة.
بصيتلها من إيه؟
قالت من إننا نرجع نحاول فنبوظ أكتر.
خدت نفس طويل.
وقلت وأنا خاېف من إننا منحاولش فنفضل طول عمرنا نسأل نفس السؤال.
عينيها اتمتلوا دموع خفيفة، مش دموع حزن دموع حد مرهق من المقاومة.
قعدنا بعدها شهور ناخد الأمور بالراحة.
مفيش وعود كبيرة. مفيش اندفاع. مفيش تمثيل إن الحب لوحده بيحل كل حاجة.
بدأنا علاج أسري. اتعلمنا إزاي نتكلم قبل ما نتراكم. إزاي نعترف بالتعب قبل ما يتحول لبعد. إزاي نطلب الاحتياج من غير كبرياء.
وأغرب حاجة اكتشفناها إننا طول الوقت كنا بنحب بعض، بس نسينا نعيش الحب ده بطريقة صح.
وفي ليلة شتوية بعدها بحوالي سنة، كنت واقف في الجنينة الصغيرة ورا البيت بركب لمبات زينة عشان عيد ميلاد يوسف.
نهى خرجت وهي
شايلة أكواب