مرات الاب لانجى الخطيب


بالحبس والأشغال الشاقة، والمنطقة كلها بقت تتكلم عن نهاية الطمع والغل اللي كان في قلب عنايات، وبقى الكل يعمل لنا ألف حساب ويبص لي بنظرة فخر وإعجاب إني وقفت ومتهزتش.
بابا نفذ وعده ليا بالحرف الواحد؛ قفلنا الشقة القديمة بكل ذكرياتها القاسېة، واشترى لي شقة واسعة وفيها روح حلوة في حي هادي قريب جداً من جامعة عين شمس عشان متبهدلش في المواصلات. بابا بقى كل تركيزه في الدنيا معايا أنا وبس، كأنه بيعوضني عن كل لحظة أهملني فيها أو وثق في الناس الغلط.
أول يوم دخلت فيه مدرج الكلية بعد الأزمة دي، كنت حاسة إن عيون الناس كلها عليا، لكن نظرات زمايلي ودكاترتي كانت كلها دعم وتشجيع. الدكتورة ميرفت، رئيسة القسم عندنا، عرفت باللي حصل وطلبتني في مكتبها، أول ما دخلت أخدتني في حضنها وقالت لي كلام عمري ما هنساه يا سارة، الطبيب الناجح هو اللي بيعرف يمر بالأزمات ويطلع منها أقوى. أنتي مشروع دكتورة شاطرة وقوية، متخليش أي حاجة في الدنيا تعطلك عن حلمك.
كلامها كان زي البلسم على قلبي، وفجرت جوايا طاقة تحدي مش طبيعية. بقيت أطبق باليوم واليومين فوق الكتب، أذاكر بقلب ومجهود مضاعف، مكنتش بشوف قدامي غير البالطو الأبيض واليوم اللي هرفع فيه رأس بابا ورأس ماما الله يرحمها في قبراها.
وعدت السنين لمحة بصر، بين امتحانات صعبة، ومحاضرات طويلة، وسهر وتعب، وبابا واقف في ضهري زي الجبل، بيصحى معايا الفجر يعمل لي القهوة ويدعي لي، ويقولي هانت يا دكتورة سارة، هانت يا قلب أبوكي.
لحد ما جه اليوم الكبير.. يوم التخرج.
القاعة كانت مليانة ناس وزغاريط وأغاني النجاح مسمعة في كل مكان. كنت واقفة بروب التخرج الأسود والقبامعة، وبابا قاعد في الصف الأول، عيونه مليانة دموع فرحة حقيقية، وشه منور فخر وهو شايف بنته الوحيدة واقفة على المسرح وبيتنادى على اسمها الطالبة سارة محمود.. الأولى على الدفعة مع مرتبة الشرف.
أول ما مسكت شهادتي، مروحتش لعميد الكلية ولا للضيوف، أنا نزلت جري من على المسرح وارتميت في حضڼ بابا قدام الدفعة كلها. بكينا مع بعض كأننا بنغسل كل الۏجع والخۏف اللي عشناه زمان. بابا رفع راسي بايده وباس جبهتي وقال بصوت عالي والكل بيسقف لنا مبروك يا دكتورة.. مبروك يا بنت الأصول، النهاردة أمك روحتها ارتاحت، والكلب اللي كان عايز يكسر عينك، أنتي كسرتي عينه وعين الدنيا كلها بنجاحك وأدبك.
وفعلاً، عرفت يومها إن ربنا لما بيبتلي البني آدم، بيبقى شايل له تعويض أكبر بكتير مما يتخيل، وإن الضړبة اللي متموتش.. بتقوي وبتصنع أبطال.
بعد حفلة التخرج بكام يوم، فتحت عيادتي الأولى. بابا صمم يشتري لي المقر في نفس المنطقة اللي اتولدت فيها، عشان يثبت للكل إن سارة اللي حاولوا يكسروها زمان، رجعت لهم
دكتورة وليها اسمها ومكانتها، والناس بقت تجيلي من كل حتة.
في يوم وأنا قاعدة في العيادة، دخلت عليا ست غلبانة باين عليها الهم والتعب، وراسمة على وشها ابتسامة مکسورة. أول ما شافتني عينيها لمعت بالدموع وقالت بصوت مرتعش ألف مبروك يا دكتورة سارة.. المنطقة كلها بتتحاكى بأدبك وشطارتك.
بصيت في وشها ودققت، وملامحها مكنتش غريبة عليا.. دي كانت أخت عنايات الصغيره، خالة سيد. قلبي انقبض ثانية، بس افتكرت إني خلاص بقيت في حتة تانية ومفيش حاجة تقدر تهزني. رحبت بيها وقعدتها وسألتها عن حالها، لقيتها بتنهد وبتقول بكسرة أنا جاية أبارك لك يا بنتي، وأقولك إن ربنا حقاني. عنايات وابنها بيخلصوا ذنبك في السچن، سيد اټخانق جوه مع مساجين وخرج بعاهة مستديمة في رجله، وعنايات ضغطها علي وجالها شلل ومبقتش تقوى تتحرك، والكل اتخلى عنهم ومحدش بيزورهم.. سبحان المعز المذل يا بنتي، هم في حتة وأنتي في حتة تانية خالص.
سمعتها وأنا حاسة بنفحة رضا غريبة، مكنتش شمتانة، بس كنت ممتنة لعدل ربنا اللي مبيغفلش. كشفت عليها وكتبت لها العلاج، ولما جت تدفع ثمن الكشف رفضت تماماً، وقولت لها الذنب ذنبهم يا طنط وأنتي ملكيش دعوة، وعيادتي مفتوحة ليكي في أي وقت. الست مشيت وهي بتدعي لي ودموعها على خدها.
مرت السنين وبقيت من أكبر دكاترة المحافظة، واتجوزت زميلي في الكلية، دكتور محترم بيحبني وبيحترم شغلي وبابا كان طاير بيه من الفرحة.
النهاردة وأنا واقفة في بلكونة بيتي الجديد، وشايفة ابني الصغير بيلعب جمب جده اللي شعر رأسه كله شاب بس لسه ضحكته بتنور الدنيا، افتكرت البنت الخاېفة اللي كانت بټعيط ورا الباب وبتستنجد بربنا. ابتسمت وبصيت للسما وقولت الحمد لله يا رب.. دايماً جبرك بيمحي كل كسر.
حكايات انجى الخطيب