بعد ۏفاة جارتي العجوز اكتشفت السر الذي أخفته أمي عني طوال عمري


فهمت أن ما يخيفها ليس البيت.
بل الرسائل.
كانت تخاف من صوت أمي وهي تتكلم من الورق بعد كل هذه السنوات.
نزلت الدرج بسرعة وأبو سعد خلفي.
في الخارج، كانت الكرادة مستمرة كأن شيئًا لم يحدث.
أصوات السيارات، ورائحة السمك المشوي من المطاعم القريبة، وبائع شاي ېصرخ عند الزاوية تحت المطر الخفيف.
أما أنا فكنت أشعر أن حياتي كلها انقسمت إلى نصفين.
مشينا حتى السوق القريب.
لم أستطع التفكير بمكان آخر أذهب إليه.
هناك، بين محلات الخضار والعطور والأواني القديمة، شعرت أنني أقل وحدة.
أم علي، المرأة التي كنت أشتري منها الطماطم دائمًا، رأت وجهي فأدخلتني خلف بسطتها دون أن تسأل.
قالت بقلق
شبيچ بنتي؟ منو خوفچ هالشكل؟
أجبتها دون تفكير
أهلي.
وبدت الكلمة غريبة حتى على لساني.
لأنهم كانوا أهلي پالدم فقط.
أما هذه المرأة التي ناولتني كرسيًا وكأس شاي حار خلال دقيقة واحدة فكانت أقرب للعائلة منهم.
اتصلت بالشرطة.
ثم اتصلت بزميلتي من المكتبة، ملاك، التي كانت تدرس القانون مساءً.
وصلت بعد نصف ساعة، مبللة بالمطر وتحمل ملفًا تحت ذراعها ووجهًا جاهزًا للشجار.
قالت فورًا
لا توقّعين على شيء. ولا تعطين أي ورقة لأحد. والرسائل لا تتركينها حتى لو دخلتِ الحمام.
في تلك الليلة، أعطيت إفادتي.
وأبو سعد أعطى إفادته.
وجارة الطابق الثاني جاءت ومعها المقلاة التي خرجت بها من بيتها، وكأنها دليل رسمي.
والبنت من الطابق الرابع سلمت الفيديو الذي صورته، حيث ظهرت كلارا وهي تصرخ عليّ، وروبرت وهو يطالب بالأوراق.
لم يكن الأمر فيلمًا.
ولم تكن العدالة سريعة.
لكن للمرة الأولى كان هناك من يسمع النساء في هذه القصة.
أمي.
أم فاضل.
وأنا.
عدت إلى شقة 302 بعد يومين، برفقة ملاك وشرطي ومدير العمارة.
بدت الشقة أصغر بدون الخۏف الذي كان يسكنها.
فتحت الستائر.
دخل ضوء العصر فوق الأكواب المرتبة، والكرسي قرب النافذة، والعلب التي احتفظت بها أم فاضل بعناية.
لمست واحدة منها.
مرق الدجاج وقت السعال.
وبكيت.
ليس بكاءً عاليًا.
بل ذلك النوع الصامت الذي يخرج عندما يفهم الإنسان متأخرًا كم كان محبوبًا.
وجدنا أوراقًا أخرى خلف الصور المقلوبة.
إيصالات تحويل أموال إلى كلارا.
ورسائل من أمي لم تصلني يومًا.
ودفترًا صغيرًا كانت أم فاضل تكتب فيه ملاحظات عن زياراتي.
الثلاثاء نادين أحضرت شوربة. تبدو متعبة.
الخميس ابتسمت قليلًا اليوم. أتمنى أن يكون هناك من ينتظرها.
السبت اشتريت لها خبزًا، لكنني لم أخبرها حتى لا تخاف.
آخر رز بالحليب اقترب الوقت.
انحنيت فوق الطاولة ويدي ترتجف.
الجملة الأخيرة حطمتني.
أم فاضل كانت تعرف أنها سترحل.
ولهذا قالت
مو هسه.
لم تكن تمنعني من الدخول.
كانت تهيئ اللحظة فقط.
جلست على كرسيها قرب النافذة وفتحت آخر رسالة، بينما صوت القطار البعيد يمر تحت بغداد كنبض ثقيل.
ابنتي نادين لم أستطع أن أكون جدتكِ أمام الناس. روبرت كان ابني وكان خطيئتي أيضًا. عندما آذى أمكِ، كان يجب أن أفضحه. لكنني خفت. أقنعت نفسي أنني أستطيع إصلاحه. وأن الدعاء سيغيّره. الأمهات أحيانًا يسمين خوفهن حبًا.
تنفست بصعوبة.
وعندما ماټت أمكِ، حاولت أن أبحث عنكِ. لكنهم أخبروني أنكِ تعيشين بعيدًا مع قريبة اختارتها مريم لحمايتكِ. وقيل لي إن ظهوري سيجعل روبرت يصل إليكِ. لذلك تعلمت أن أحبكِ من بعيد.
امتلأت الرسالة بدموعي.
وعندما انتقلتِ إلى هذه العمارة، ظننت أن الله يعاقبني. ثم طرقتِ بابي بصحن شوربة شعيرية وكانت رائحتها تشبه شوربة أمكِ تمامًا.
أغلقت عيني.
كل صحن كنتِ تحضرينه أعطاني شجاعة لأكتب رسالة جديدة. لم آكل طعامكِ فقط يا نادين بل أكلت
الغفران. وأكلت الذكريات. وأكلت الأمل بأنكِ يومًا ستدخلين هذه الغرفة، ولن تبقي وحدكِ.
ضممت الرسالة إلى صدري.
لم أكن أعرف كيف أسامح امرأة مېتة.
ولم أكن أعرف إن كنت أريد ذلك أصلًا.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا
أم فاضل لم تترك لي شقة فقط.
تركت لي حقيقة كاملة.
الأشهر