لم تكن ابنتي تخاف المړض… كانت تخاف العودة إلى البيت


صوت حسام منخفضًا وباردًا
إنتِ مش هتخربي بيتي يا مريم أمك متعرفش تعيش من غيري.
ثم صوت ارتطام قوي.
بعده بكاء مكتوم.
ثم صوت ابنتي
بطني بتوجعني
ورد حسام ببرود
يبقى تتعلمي تسكتي.
وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ.
جلست الأخصائية الاجتماعية بجانبي بهدوء.
كانت تُدعى ميرفت.
قالت وهي تنظر للهاتف
متحذفيش أي حاجة.
هززت رأسي فورًا.
مش همسح حاجة.
سألتني
هترجعي البيت معاه؟
نظرت نحو حسام.
كان ما يزال يتحدث بثقة الرجل الذي يظن أن صوته يكفي لإخافة الجميع.
لكنني هذه المرة لم أعد أراه كبيرًا.
رأيت فقط الرجل الذي كانت ابنتي تخافه أكثر من الألم نفسه.
قلت ببطء
لا.
كانت أول مرة أقولها بصدق.
سألتني ميرفت
عندك مكان تروحيه؟
فكرت فورًا في أختي هبة.
شقتها الصغيرة في فيصل.
صوت أولادها العالي.
المطبخ الضيق الذي كانت تصنع فيه الشاي طوال الليل عندما يضيق صدر أحد.
قلت
أيوه عند أختي.
كتبت شيئًا في الملف أمامها.
ثم قالت بهدوء
يبقى الليلة دي مش هترجعوا البيت.
نظرت نحو الأرض.
كانت جملة بسيطة.
لكنها شعرتني كأنني أقف على حافة حياة جديدة لا أعرف عنها شيئًا.
طوال سنوات، كنت أرتب حياتي حول بقاء البيت هادئًا.
أختار الصمت بدل المشاكل.
أقنع نفسي أن مريم حساسة زيادة.
أن حسام عصبي فقط بسبب الشغل.
أن كل البيوت فيها خوف صغير يختبئ داخل الجدران.
لكن الحقيقة كانت تجلس الآن فوق ركبتي داخل هاتف ابنتي.
ولم يعد هناك مكان للهروب منها.
مرّت ساعة كاملة وأنا أحدق في باب العمليات.
كلما فُتح الباب، كنت أقف فورًا.
ثم أعود للجلوس عندما يخرج مريض آخر أو ممرضة أخرى.
في الرابعة فجراً تقريبًا، خرج الطبيب أخيرًا.
نهضت بسرعة حتى كدت أسقط.
قال أولًا
البنت بخير.
انهرت بالبكاء فورًا.
شعرت أن ساقيّ
لم تعودا تحملاني.
لكن الطبيب أكمل بصوت متعب
الزائدة كانت منفجرة والالتهاب كان منتشر بشكل خطېر.
وضعت يدي على وجهي وأنا أبكي بصمت.
ثم قال
لو كانت اتأخرت ساعات إضافية، الوضع كان هيبقى أصعب بكتير.
ومن بعيد، سمعنا حسام ېصرخ
أنا قلتلكم دي بتمثل!
لكن الطبيب تجاهله تمامًا.
وقال بجدية
وكل العلامات والإصابات موثقة في التقرير الطبي.
في تلك اللحظة اقترب ضابط شرطة من حسام.
وتغير وجهه للمرة الأولى.
لأول مرة رأيت الخۏف الحقيقي في عينيه.
بدأ يتحدث بسرعة
دي مراتي والبنت متوترة بس وإحنا هنحل الموضوع في البيت.
لكن أحدًا لم يتحرك.
أحد رجال الأمن وقف بجانبه.
والأخصائية الاجتماعية أغلقت الملف بهدوء.
والضابط قال
لازم حضرتك تيجي معانا شوية.
ضحك حسام بعصبية.
هو أنا مچرم؟
لكن ضحكته خرجت أضعف من المعتاد.
نظر إليّ مباشرة.
قولي لهم الحقيقة يا نجلاء.
الحقيقة.
تلك الكلمة التي عشت سنوات أهرب منها.
رفعت هاتف مريم أمامه.
ورأيت وجهه يتغيّر فورًا.
هناك لحظات يسقط فيها القناع بالكامل.
وكانت تلك واحدة منها.
اقترب مني وهو يهمس پغضب
إنتِ فاكرة إن حد هيصدقها؟
لكن هذه المرة لم أشعر بالخۏف.
شعرت فقط بالتعب.
تعب سنوات كاملة من الصمت.
قلت بهدوء
أنا صدقتها.
ساد الصمت للحظة.
ثم أخذ الضابط حسام بعيدًا.
لم ېصرخ هذه المرة.
بدأ يتحدث عن المحامين والمعارف والناس التي يعرفها.
لكن صوته كان يبتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفى تمامًا خلف باب الطوارئ.
وعندما دخلت إلى غرفة مريم بعد انتهاء العملية، كدت أبكي من جديد.
كانت شاحبة جدًا.
شفتيها جافتين.
وأسلاك الأجهزة تحيط بها من كل جانب.
جلست بجوارها بهدوء.
وأمسكت يدها بحذر.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن ابنتي صغيرة فعلًا.
ليست قوية.
ليست تبالغ.
ليست حساسة.
بل طفلة كانت تحاول النجاة وحدها داخل بيتها.
مررت يدي فوق شعرها ببطء.
وتذكرت كل اللحظات التي طلبت فيها مني أن أسمعها ولم أفعل.
تذكرت عندما أصبحت تنغلق داخل غرفتها بالساعات.
عندما توقفت عن الضحك على مائدة العشاء.
عندما بدأت تأكل قليلًا ثم تدّعي أنها شبعت.
وعندما أصبحت ترتب كلماتها قبل أن تتحدث أمام أبيها.
كنت أرى كل شيء
لكنني كنت أخاف من الاعتراف بمعناه الحقيقي.
في الصباح، وصلت أختي هبة إلى المستشفى.
كانت ترتدي إسدال الصلاة فوق ملابس البيت، وشعرها غير مرتب، وكأنها خرجت فور سماع الخبر