بعد أربعين سنة من الخدمة والتعب اكتشفتُ أن عائلتي كانت تخطط لحياتي بعد مۏت زوجي وكأنني لم أعد موجودة


آلمني.
فالمرأة لا تتوقف عن كونها جدة فقط لأنها تعلمت أن تكون إنسانة.
لكن كانت هناك رسالة أخرى.
من أم فهد.
دخلت الفيلا مع الفني مثل ما قلتي. الحيوانات بخير. الطبيب البيطري جاي بعد ساعة. خالد عامل إزعاج عند الباب. والمحامية وصلت.
ابتسمت.
أم فهد كانت تعرف عن الرحلة.
ليس من البداية، لكن منذ احتجتها شاهدة.
صديقتي حملت ڠضبي حين لم أكن أستطيع حمله.
أما المحامية، فكانت لطيفة الغامدي، امرأة بشعر قصير، وصوت هادئ، ونظرة لا تترك ثغرة.
هي التي ساعدتني على مراجعة الأوراق عندما بدأ خالد، قبل ۏفاة أبيه بشهرين، يسأل كثيرًا عن الفيلا.
في البداية كان سؤاله عابرًا
يمّه، وين تحفظون الصكوك؟
ثم أصبح عمليًا
عشان نختصر الإجراءات، الأفضل كل شيء يكون باسمي.
ثم صار واضحًا
أبوي ما عاد يقدر يقرر وأنتِ بعد ما تتحملين مسؤوليات كبيرة.
في ذلك اليوم كان أبو خالد نائمًا في الصالة، بجانبه جهاز الأكسجين وغطاء خفيف فوق ساقيه.
لكنه فتح عينيه ونظر إليّ.
وفهمت.
بعد أسبوع ذهبت إلى الموثق.
لم أذهب وحدي.
ذهبت ومعي عصاي العاطفية أم فهد.
وقّع أبو خالد ما استطاع أن يوقّعه بيد مرتجفة.
وترك رسالة لخالد.
وأنا تركت رسالة أخرى.
الفيلا ستبقى محمية.
أعيش فيها إن أردت.
وإن لم أرد، أستطيع أن أغيب دون أن يبيعها أحد، أو يؤجرها، أو يقتحمها، أو يحوّلها إلى فندق للحيوانات.
وعندما أموت، تتحول إلى جمعية خيرية أسستها أنا ولطيفة باسم بسيط
بيت نورة.
مكان مؤقت لنساء كبيرات في السن اعتنين بالجميع، ثم وجدن أنفسهن بلا غرفة حقيقية تخصهن.
خالد سيحصل على شيء.
صندوق.
فيه رسائل من أبيه، وصور عائلية، وجملة موثقة أصرت لطيفة
على إضافتها لأنها كادت تضحك حين سمعتها مني
لا يرث الابن ما حاول أن يديره كأنه صاحبه قبل أوانه.
في الظهيرة، كانت السفينة تمضي فوق البحر الأحمر، والماء يلمع حولها كأنه صفحة جديدة.
جلست مع أمينة، ومع امرأة أخرى اسمها سعاد من الرياض.
كانت ترتدي قبعة بيضاء، وتتحدث عن أولادها كأنها تتحدث عن مستأجرين مزعجين.
سألتني
أنتِ بعد هربتِ؟
قلت
تقاعدت من العائلة.
رفعت أمينة فنجانها.
إذن نشرب على هذا القرار.
شربنا القهوة.
في هذا العمر، تكتشف المرأة أن القهوة قد تكون احتفالًا كاملًا.
وفي تلك الأثناء، كانت حياة خالد تتفكك داخل الفيلا.
أرسلت لي أم فهد تسجيلات صوتية.
في الأول، كان صوت ريم يعلو لأن أحد الكلاب أفسد السجادة الفارسية.
السجادة كانت لي.
في الثاني، كان خالد يطالب بالدخول إلى غرفتي.
ردّت لطيفة
لا يمكنك ذلك. السيدة نورة تركت تعليمات مكتوبة. وأي دخول غير مصرح به سيُعتبر تعديًا على الملكية وإساءة تصرف.
قال خالد
أنا ولدها!
قالت لطيفة
ولهذا السبب تحديدًا اسمك موجود في الملف.
ضحكت بقوة حتى سألتني أمينة إن كانت القهوة فيها شيء إضافي.
عند العصر، حين عدت إلى غرفتي الصغيرة في السفينة، وجدت رسالة صوتية من خالد.
هذه المرة لم يكن ېصرخ.
كان يبكي.
يمّه سامحيني. أنا ما كنت أعرف إنك حاسة كذا. ريم بالغت بموضوع الحيوانات. أنا ظنيت إن وجودها بيونسّك. ما يحتاج تعاقبيني بالفيلا. نقدر نحل الموضوع. ارجعي ونتفاهم.
جلست على السرير.
سرير صغير.
مرتب.
ملكي.
كانت السفينة تتحرك بهدوء.
استمعت للرسالة مرتين.
ليس لأنني ترددت.
بل لأنني أردت أن أميز الفرق بين الندم والخۏف.
لم أجده.
سمعت فقط رجلًا سقطت خطته.
كتبت له
خالد، وحدتي لم تهمك. غيابي هو الذي أخافك. فكر في هذا.
ثم أغلقت الهاتف مرة أخرى.
كان الأسبوع الأول غريبًا.
أفطر فاكهة وأنا أنظر إلى البحر.
أمشي على السطح مع نساء يشبهن من خرجن للتو من مطابخ طويلة، وأسرة مرضى، وصالات لا يسألهن فيها أحد إن كنّ يرغبن في الجلوس.
في ينبع نزلت وتمشيت قرب البحر.
اشتريت قبعة كان أبو خالد سيقول إنها مبالغ فيها.
لبستها طوال اليوم.
وفي محطة أخرى لم أنزل من السفينة.
بقيت أنظر إلى الماء من بعيد، وفي يدي عصير