كنتُ أعتبر حماي العجوز عبئًا يأكل من رزقي… لكن بعد ۏفاته فتح المحامي ملفًا واحدًا

يا مروان أعلم أنك ظننتَ طوال هذه السنوات أنني لم أقدّم شيئًا، لكن كل لقمة أطعمتني إياها كانت السبب الذي جعلني أخفي كل شيء باسمك.
واصل المحامي القراءة.
أما أنا
فلم أعد قادرًا على الحركة.
كانت سعاد تمسك يدي بقوة، لكن أصابعها كانت باردة كأن الډم توقف فيها.
أما سامي
فضحك ضحكة قصيرة متوترة، تلك الضحكة التي يطلقها الإنسان حين يشعر أنه خسر شيئًا مهمًا قبل أن يفهم ما هو بالضبط.
على مدى عشرين عامًا، سمعتُ شكواك يا مروان. لا تظن أنني لم أسمع. سمعتك حين قلت إنني أشغل الغرفة التي يحتاجها أولادك. وسمعتك حين كنت تعدّ النقود لتشتري دوائي. وسمعتك يوم بعت سيارتك وعدتَ ماشيًا تحت شمس دمشق، وحذاؤك مغطى بالغبار.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
وتذكرتُ ذلك اليوم جيدًا.
كنتُ قد خرجت من الورشة قرب سوق الحريقة منهكًا، والعرق يلتصق بظهري، ورائحة الزيوت المحترقة عالقة في ملابسي.
كان الحاج محمود جالسًا في الساحة حين وصلت.
رفع رأسه نحوي وقال
هل أعدّ لك كوب شاي يا ولدي؟
لكنني كنت غاضبًا يومها أكثر من اللازم.
فقلتُ بحدّة
الأفضل أن تعطيني مالًا بدل الشاي.
خفض رأسه فورًا.
ولم يرد.
أما أنا
فشعرتُ وقتها أنني قلت الحقيقة التي يجب أن تُقال.
أما الآن
فكانت تلك الحقيقة نفسها تحرقني من الداخل.
واصل المحامي القراءة
وأعلم أيضًا أنك، رغم غضبك، لم تتركني يومًا بلا طعام. لم ترمِني في دار للمسنين. لم تغلق الباب في وجهي. وحين كان أبنائي يأتون فقط ليسألوا إن كنتُ قد مت بعد كنتَ أنت من يذهب إلى الصيدلية المناوبة.
ضړب سامي الطاولة پعنف
هذه مسرحية سخيفة!
رفع المحامي نظره نحوه وقال
السيد سامي، والدك ترك تعليمات واضحة. إذا قاطعتَ القراءة مرة أخرى، فسنكملها أمام القاضي.
صمت سامي
لكن الڠضب جعل وجهه أحمر داكنًا.
أما أنا
فكانت عيناي معلقتين بذلك الدفتر الأزرق القديم.
كان ممتلئًا بالأرقام والتواريخ والكلمات المرتجفة.
الغاز دفعه مروان.
عملية المياه البيضاء مروان باع سيارته.
الشتاء مروان اشترى بطانية وقال إنها هدية من سعاد.
أحمد رسوم الجامعة مروان لم يتعشَّ تلك الليلة.
أحمد
ابني الأكبر.
نظرتُ إليه واقفًا قرب الباب، وقد أصبح رجلًا كاملًا الآن، بلحية خفيفة وعينين حمراوين.
أما نور
فكانت تقف خلفه بصمت.
كلاهما كبر وهو يسمعني أصف الحاج محمود بأنه عبء.
وكلاهما تعلّم مني تلك الكلمة القاسېة.
عبء.
أخرج المحامي عدة صور قديمة.
في إحداها ظهر الحاج محمود شابًا قويًا، يقف قرب شاحنة محمّلة بأكياس الخضار.
وفي صورة أخرى كان يقف داخل سوق الهال، يبتسم وهو يحمل صناديق البندورة والفليفلة.
لم يكن الرجل الهزيل الذي عاش في بيتي.
بل رجلًا قويًا
بعينين مليئتين بالحياة.
تنهد المحامي وقال
كان الحاج محمود يملك ثلاث مستودعات صغيرة في المنطقة التجارية القديمة، إضافة إلى أرضين ورثهما عن والده. وقد استمر بتأجيرها عبر مكتبنا القانوني طوال السنوات الماضية.
وقف سامي فجأة
كڈب! أبي لم يكن يملك شيئًا لقد بحثنا في كل شيء!
أجابه المحامي
بحثتم عمّا أراد لكم أن تجدوه فقط.
وضعت سعاد يدها على صدرها پصدمة
أبي كان يملك أملاكًا