في التاسعه والثلاثين

في التاسعة والثلاثين من عمري، وافقت أتجوز راجل أعرج بس عشان أهرب من نظرات الشفقة وكلام الناس اللي ما بيرحمش.
لكن في ليلة فرحنا، أول ما رفعت البطانية بإيدين بتترعش اكتشفت حقيقة ما كنتش أتخيلها أبدًا.
العمر أتعبني مش عشان كبرت، لكن لأن كل سنة كانت شايلة خيبة جديدة.
واحد وعدني بالجواز واختفى، وواحد حبيته بصدق لكنه كان شايفني مجرد مرحلة لحد ما يلاقي الست المناسبة.
وفي كل مرة، كنت أرجع لبيتنا القديم في حي سيدي الهواري بوهران وأنا حاسة إن جزء جوايا بيتكسر أكتر.
في مجتمعنا، الست لما تعدّي التلاتين من غير جواز، تبقى كأنها مشكلة ماشية على رجلين.
الجارات يهمسوا أول ما أعدّي، والقرايب يبصّوا بشفقة جارحة، وحتى الأفراح تتحول لمحاكم صغيرة
لسه ما اتجوزتيش ليه؟
أكيد فيها عيب.
العمر بيجري يا بنتي.
ولما قربت من الأربعين، حسّيت إني خلاص تعبت من مقاومة كلام الناس.
في ليلة شتوية، كنا قاعدين في مطبخ بيتنا الصغير، وريحه الشوربة الساخنة مالية المكان.
أمي تنهدت فجأة وقالت بصوت كله رجاء
وإيه رأيكِ في نبيل؟
رفعت عيني باستغراب نبيل مين؟
قالت بهدوء جارنا صحيح رجله فيها إصابة، بس راجل محترم وابن حلال.
نبيل كان جارنا من سنين طويلة.
أكبر مني بخمس سنين، وبيعرج شوية بسبب حاډثة قديمة حصلتله جنب ميناء وهران وهو عنده سبعتاشر سنة.
كان عايش مع أمه الكبيرة في بيت بسيط بحي الحمري، وبيشتغل من البيت في تصليح الموبايلات والأجهزة الإلكترونية.
هادئ جدًا لدرجة إن ناس كتير كانوا فاكرينه بارد، لكنه في الحقيقة كان قليل الكلام وبس.
وأهل الحي طول عمرهم يلمّحوا إنه مناسب لعانس زيي بس محدش كان يجرؤ يقولها في وشي.
في الليلة دي، وقفت قدام المراية أبص لوشي المرهق وسألت نفسي أنا مستنية إيه أصلًا؟ حب زي اللي في المسلسلات؟ ولا راجل يمكن عمره ما ييجي؟
كنت تعبت.
وعشان كده في ظهر يوم شتوي رمادي، والمطر مغرق شوارع وهران، وافقت بكل بساطة.
فرحنا كان بسيط جدًا.
لا قاعة فخمة، ولا فستان أبيض مبهر، ولا موسيقى صاخبة.
كام طرابيزة، وأطباق كسكسي، وشاي بالنعناع، وشوية قرايب وجيران.
حتى الزغاريط كانت طالعة باهتة كأنها مجاملة أكتر من فرحة حقيقية.
وفي الليلة دي بدأت أول ساعاتي معاه.
كنت قاعدة على طرف السرير، متخشبة تمامًا، وإيديا بتترعش تحت البطانية.
برا، المطر كان بيخبط في سقف البيت المعدني بصوت حزين ومتواصل.
وفجأة باب الأوضة اتفتح بهدوء.
دخل نبيل بخطوته المائلة المعتادة، وفي إيده كباية مية.
قال بصوت واطي اشربي شوية هترتاحي.
خدت الكوباية من غير ما أبصله.
بعدها طفّى النور بهدوء، وعدّل طرف البطانية، وقعد على طرف السرير.
الصمت كان تقيل لدرجة حسّيت إنه بېخنقني.
غمضت عيني جامد، وقلبي بيدق پعنف.
كنت خاېفة متوترة ومستسلمة لحياة افتكرت إني دخلتها ڠصب عني.
لكن وأنا بحاول أهدي نفسي سمعت صوت غريب.
صوت خاڤت جدًا
وبعدين ساد الصمت.
اتجمد جسمي كلهاتجمد جسمي كله
حاولت أفتح عيني،