لما رجعت من السفر


يا أستاذ محمود لازم تبلغ الشرطة. اللي حصل ده مش طبيعي.
وفي اللحظة دي
فهمت.
دي مش إهمال
دي حاجة أسوأ بكتير.
وده كان مجرد البداية.
واقف قدام باب الطوارئ إيدي بترتعش وأنا شايل يوسف، وصوت الأجهزة حواليا عامل دوشة مش قادر أفهم منها غير كلمة واحدة بتتكرر في دماغي
مش طبيعي.
الدكتورة رجعتلي تاني بعد دقايق بس شكلها كان متغير.
الطفل عنده جفاف شديد وارتفاع خطېر في الحرارة واضح إنه ما اتغذاش كويس بقاله وقت.
وبصّتلي بتركيز
والأم حالتها أسوأ.
قلبي وقع.
أسوأ إزاي؟!
في كدمات وآثار ربط في إيديها وكمان في علامات إنها كانت ممنوعة تتحرك.
سكتت لحظة وبعدين قالت بهدوء تقيل
مراتك كانت محتجزة.
الكلمة خبطت في دماغي زي الړصاصة.
محتجزة؟!
مستحيل دي أمي!
لكن وأنا بقولها كنت فاكر كل حاجة نظرات منة الخاېفة
صوتها الواطي في المكالمات
اختفائها المفاجئ كل مرة
أنا اللي كنت غبي.
بعد ساعة منة فاقت.
كانت ضعيفة جدًا عينيها مفتوحة بالعافية.
قربت منها مسكت إيدها بحذر.
منة أنا هنا.
دمعة نزلت من عينها وشفايفها اتحركت بصعوبة
يوسف كويس؟
كويس كويس يا حبيبتي.
سكتت شوية وبعدين همست
ماكانوش بيدوني آكله
كانوا بيقولوا سيبيه يعيط.
حسيت الډم بيغلي في عروقي.
مين؟!
غمضت عينيها كأنها بتستجمع قوتها وقالت
أمك وسمر.
بدأت تحكي كل كلمة كانت بتدبحني.
أول يوم بعد ما سافرت كل حاجة اتغيرت.
أمي بدأت تعاملها بجفاء كلام تقيل، نظرات كره.
إنتي خدتي ابني مني
من يوم ما ډخلتي البيت وهو اتغير.
وسمر كانت أسوأ.
تمثيلك ده مش هيأثر علينا
قومي اخدمي نفسك إحنا مش خدامين عندك.
منة كانت بتتألم بعد الولادة مش قادرة تقف لكنهم كانوا بيجبرواها.
ولما حاولت تمسك الموبايل تكلمّني
أخدوه منها.
قفلوه.
وفي اليوم التاني الموضوع قلب.
ربطوا إيدي في السرير قالتها وهي بټعيط بصوت مكسور
وقالوا إني لو فضلت ساكتة هيسيبوا يوسف جنبي.
اتخيلت المشهد وقلبي اتقطع.
كانوا يسيبوه يعيط بالساعات وأنا مش قادرة أتحرك.
والمية؟!
كانوا يدوني شوية بالعافية.
والأكل؟
هزّت راسها
تقريبًا مفيش.
ساعتها حسيت إني مش بس فشلت
أنا خنتها.
سيبتها وسط ناس كانوا بيكرهوها وصدّقتهم.
بعدها بدقايق الشرطة وصلت.
الدكتورة كانت مبلّغة.
دخل الظابط سألني بهدوء
إنت مستعد تقدّم بلاغ رسمي؟
بصّيت على منة على ابني اللي نايم في الحضانة
وقلت من غير تردد
أيوه.
اللي حصل بعد كده كان أسرع مما توقعت.
الشرطة راحت البيت.
لقوا
الموبايل بتاع منة مخبي
آثار حبال على السرير
فوضى وإهمال
تسجيلات كاميرات في العمارة بتثبت إنهم كانوا بيرفضوا يدخلوا حد
وأمي حاولت تنكر.
دي بتفترى!
دي مريضة نفسية!
وسمر كانت بتصرخ
إحنا كنا بنربيها!
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي كدب.
بعد أيام
صدر قرار بحبسهم احتياطي.
وأنا كنت قاعد جنب سرير منة في المستشفى.
ساكت.
مكسور.
هي بصّتلي وقالت بهدوء
أنا مش زعلانة منك.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
بس يا محمود أوعى تسيبني تاني لوحدي.
مسكت إيدها المرة دي بقوة
مش هسيبك ولا هخلي حد يقربلكم تاني.
عدّى شهر
منة بدأت تتحسن.
يوسف بقى أحسن رجع يضحك.
بس أنا
أنا اتغيرت.
اتعلمت إن الثقة العمياء ممكن ټقتل.
وإن أقرب الناس ممكن يكونوا أخطرهم.
وفي أول يوم رجعنا فيه البيت
منة وقفت عند الباب ماسكة يوسف وبصّتلي
ده بيتنا صح؟
بصّيت حواليّا
بيت جديد بعيد عن أي حد.
ابتسمت وقلت
أيوه بيتنا إحنا
بس.
النهاية.