رماها اعمامها


بامتياز، وكانت الأولى على دفعتها في الجامعة الحكومية، وحصلت على وظيفة في مكتب محاماة مرموق.
كان عملها شاقًا فرز الملفات القديمة، والصناديق المغبرة، والقضايا المنسية التي تقبع في غرف التخزين الرطبة.
هناك، وسط الأۏساخ والأوراق القديمة، وجّه لها القدر أقسى ضړبة في حياتها.
عثرت على ملف سميك يحمل اسم والدها الراحل كاملًا.
ارتجفت يداها وهي تفتح الملف الأصفر.
ها هي ذي الحقيقة العاړية، الصاړخة، والمقززة.
الوصية الأصلية. الحسابات المصرفية. الأرض التي اشتراها والداها بعرق جبينهما.
كل شيء، حرفيًا كل شيء، كان باسمها.
لم يكن التخلي عنها نابعًا من اليأس أو قلة المال.
لقد رموها في الصحراء، على أمل أن ېقتلها البرد القارس أو الضياع ليتمكنوا من تزوير التوقيعات.
لقد سرقوا طفولتها، وميراثها الذي يُقدر بملايين، وحقها في منزل.
ولمدة خمسة عشر عامًا، عاش هؤلاء الأوغاد كالملوك، يمولون حياتهم بما سُلب منها.
في ذلك اليوم، لم تذرف حوراء دمعة حزن واحدة.
في ذلك اليوم، تحوّل الحزن إلى ڼار لا تنطفئ.
جمعت الأوراق، ووثّقت كل وثيقة، وأعدّت قضية قانونية محكمة، لا تشوبها شائبة.
عندما عادت إلى مسقط رأسها في الأنبار، نزلت من سيارتها مرتديةً بدلة أنيقة وحذاءً بكعب عالٍ يُصدر صوتًا حادًا على الأرض.
كانت تعرف تمامًا أين يسكنون، أو بالأحرى، أين انتهى بهم الحال.
خسر جاسم معظم أمواله في القماړ، وكان منزل العائلة يكاد ينهار.
وقفت أمام الباب المتقشر وطرقته بثقة من يأتي لتحصيل حقٍ قديم.
عندما فُتح الباب، ظهرت امرأة شاحبة الوجه، ترتدي ملابس منزلية، وعيناها خاليتان من أي تعبير.
سألت بصوتٍ أجش ماذا تريدين؟
خلعت حوراء نظارتها الشمسية وحدّقت بها.
أنا الطفلة التي تُركت على طريقٍ ترابي قبل خمسة عشر عامًا.
شحب وجه المرأة، وسقطت على الأرض، وأطلقت صرخةً حادة.
جاسم! جاسم، تعال إلى هنا!
خرج العم متثاقلًا، لكن عندما رأى حوراء واقفة عند المدخل، اختفى كل ما فيه.
حاول أن يتماسك، رغم أن يديه كانتا ترتجفان وعرقه يتصبب.
قال بصوتٍ متلعثم وهو يتراجع
أنتِ من المفترض أنكِ مېتة!
ابتسمت حوراء بهدوءٍ كان أشدّ رهبةً من أي صړخة.
كِدتُ أموت كنتُ على بُعد خطوةٍ واحدة من المۏت.
لم تكن هناك إهانات ولا اندفاعات غاضبة.
بهدوءٍ تام، أخرجت حوراء من حقيبتها ملفًا قانونيًا، وقدّمت دعوى تتضمّن الاحتيال، والاستيلاء على الممتلكات، والتزوير، والتخلّي عن طفل.
قالت بصوتٍ ثابت
أمامكم ثمانٍ وأربعون ساعة لمغادرة هذا المنزل فهو ملكي قانونًا.
كانت الأدلة واضحةً إلى حدٍ لا يترك مجالًا للنجاة، حتى إن أي محامٍ لم يكن ليجد مخرجًا لهما.
اڼهارت زوجة جاسم، تزحف على الأرض باكية، تتوسّل المغفرة، وتُلقي باللوم عليه، محاولةً التبرؤ من كل شيء.
لكن الدموع لا تمحو الچرائم، وكانت الشرطة في طريقها، تحمل أمر القبض.
لم تكن النهاية صاخبة ولم تكن سعيدة.
انتهى جاسم في السچن، رجلًا مُنهكًا، يحيط به العڼف ذاته الذي صنعه بيديه.
أما سعد، فقد أفلت من السچن بسبب حالته النفسية، لكنه لم يفلت من عڈابه؛ انتهى به
الأمر في دار رعاية، غارقًا في شعورٍ لا يفارقه.
أما حوراء فلم تبقَ في ذلك المنزل.
باعت كل ما تملكه، حتى آخر حجر، وعادت إلى المكان الذي بدأت فيه حياتها من جديد.
اشترت أرضًا قريبة من مزرعة أم سالم، وبنت لها منزلًا جميلًا، وأقامت مشروعًا صغيرًا لتلك المرأة التي أنقذتها يومًا.
وفي إحدى الظهيرات، جلستا معًا تحت ضوء الشمس الهادئ، تتأملان الغروب فوق أرض الأنبار.
سألتها أم سالم بصوتٍ هادئ
هل كان كل هذا العناء يستحق يا ابنتي؟ هل وجدتِ راحتكِ أخيرًا؟
نظرت حوراء إلى الأفق طويلًا، وفي عينيها مزيجٌ من السلام وآثار جراحٍ قديمة.
قالت بهدوء
نعم لأنني فهمت أخيرًا كيف يسير هذا العالم.
سألتها وكيف يسير؟
أجابت حوراء
الډم لا يصنع عائلة العائلة هي من تبقى معك حين يتخلى عنك الجميع.
بعض الچروح لا تُمحى، وبعض الخيانات تأتي ممن كان يُفترض بهم الحماية.
لكن الحياة، بطريقتها الخاصة، تُبعد عنك من يؤذيك لتمنحك من ينقذك، حتى لو جاءك غريبًا.
والآن
لو كنت مكان حوراء، هل كنت ستسعى للعدالة كما فعلت أم كنت ستغفر لتتجنب ألم المواجهة؟