رماها اعمامها

في البداية، ظنّت الطفلة حوراء أنّ ما يحدث لا يتجاوز كونه مزحةً
واحدة من تلك المقالب التي اعتاد عمّها جاسم أن يفعلها
ثم يعود بعد لحظات، مبتسمًا، ليقول لها وكأنّ شيئًا لم يكن
كنتُ أمزح فقط.
قالوا لها أن تنزل من السيارة قليلًا
اذهبي واملئي هذه القنينة من الجدول المحرّك يسخن.
نزلت مطيعة لم تشكّ في شيء.
لكن الدقائق مرّت والصمت بدأ يثقل المكان
والبرد تسلّل إلى عظامها الصغيرة.
وفجأة دوّى صوت محرّك السيارة بقسۏة.
التفتت بسرعة
فرأت السيارة تنطلق بأقصى سرعة
تبتعد وتترك خلفها سحابةً من الغبار التصقت بدموعها التي بدأت تنهمر.
عمّي جاسم!... عمّي سعد!
صړخت بأعلى صوتها وهي تركض خلف السيارة بساقين صغيرتين لا تقويان على اللحاق.
لكن لم يجبها أحد
اختفى الصوت وبقي الصمت.
الطريق كان خاليًا تمامًا
مجرد أرضٍ ترابية ممتدة، تحيط بها أعشابٌ جافة وصحراء لا نهاية لها في أطراف الأنبار.
بدأت السماء تظلم سريعًا
وسحبٌ داكنة تجمّعت فوقها وكأنها تنذر بشيءٍ قادم.
عندها فقط أدركت الحقيقة لن يعودوا.
تركوها ببساطة.
كما تُرمى الأشياء التي لم يعد لها قيمة.
قبل أسابيع فقط
في عزاء والديها بعد حادثٍ مروّع،
كان عمّها يقف أمام الجميع، ويدّعي الحزن، ويقول
لا تقلقوا حوراء في عيونا عمرها ما راح تحتاج شي.
كلمات بلا معنى.
أكاذيب قيلت بسهولة.
سقطت حوراء على الأرض
الحجارة الحادة جرحت قدميها الصغيرتين
لكن الألم الحقيقي كان في صدرها.
ذلك الشعور الخانق الذي لا يُصدر صوتًا لكنه يسحقك من الداخل.
ماذا فعلت لتُترك هكذا؟
فقدت والديها والآن تفقد كل شيء.
هبّت الرياح بقوة وبدأ المطر يهطل بغزارة، يبلّل ثوبها الصغير، ويزيد ارتجافها.
وفجأة صوت عواءٍ بعيد
ربما كلابٍ ضالة أو شيءٍ آخر
تجمّدت في مكانها من الخۏف.
الليل يقترب وفي هذا المكان المجهول لا أحد يرحم أحدًا.
كان عليها أن تتحرك
مشت ومشت
تجرّ قدميها المتعبتين والد. م يلطخ أطرافها.
حتى رأت
ضوءًا خافتًا في البعيد.
كان بيتًا صغيرًا بجدرانٍ طينية، وسقفٍ من صفيحٍ قديم في أطراف مزرعةٍ مهجورة.
اقتربت ببطء
وفجأة بدأ كلبٌ ينبح پعنف.
ثم
فُتح الباب الخشبي فجأة.
وظهرت امرأةٌ مسنّة ملامحها قاسېة لكن عينيها مليئتان بالدهشة.
يا إلهي ماذا تفعلين هنا في هذا البرد؟!
أسرعت نحوها، وسحبتها إلى الداخل دون تردد.
أجلستها قرب موقدٍ صغير
وكانت رائحة الحطب تملأ المكان
وقدرٌ بسيط يغلي فوق الڼار.
لفّتها ببطانيةٍ دافئة لكن قلب حوراء ظلّ يرتجف.
ليس من البرد
بل من شيءٍ آخر.
لأنها لم تكن تعلم
أن ما فعله أعمامها لم يكن مجرد تخلٍّ عنها
بل بداية لسرٍ مظلم شيء لن يصدّقه أحد.
الجزء الثاني
كان دفء موقد الحطب، ورائحة القهوة المُحضّرة في إناءٍ فخاري مع القرفة، أول حضنٍ حقيقي شعرت به حوراء منذ زمنٍ طويل.
في تلك الليلة، نامت على سريرٍ مؤقت، مُغطاة ببطانيةٍ ثقيلة بدت أدفأ من كل الخۏف الذي عاشته.
لكن في صباح اليوم التالي، ومع صياح الديكة، استيقظت الحقيقة وصڤعتها بقسۏة؛ لم يعد لديها والدان، وقد تخلّت عنها عائلتها، وتركتها كما تُترك الكائنات الضالة في الطرقات.
لم تكن أم سالم تُراوغ في الكلام أو تتظاهر بالشفقة، بل