ليلة أمس حين ضړبني ابني


عن والده.
ما الذي تفعله هنا؟
وضع عبد القادر يده على الطاولة، وقال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم
اجلس.
جلس بالفعل.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قبل أن تدفع الأم ظرفًا صغيرًا نحوه.
افتح.
نظر إليها باستغراب، ثم التقط الظرف وفتحه بلا اهتمام في البداية لكن ملامحه تغيّرت فجأة.
توقفت أنفاسه.
عيناه تتحركان بين الأوراق بسرعة، ثم ببطء ثم توقفتا.
رفع رأسه بحدة
من أين حصلتِ على هذه؟
أجابته دون أن ترفع صوتها
من الأماكن التي كنت تذهب إليها ومن الناس الذين ظننتهم أصدقاء.
حاول أن يضحك، لكن صوته خرج مضطربًا
وهل هذا يُخيفني؟
انحنى عبد القادر قليلًا للأمام، وقال
يجب أن يخيفك.
صمت.
ثم أضاف، وهو ينظر إليه مباشرة
هذه إيصالات أمانة كافية لتدخلك السچن لسنوات.
تجمّد ياسين في مكانه.
نظر إلى أمه ثم إلى أبيه ثم عاد بعينيه إلى الأوراق، كأنه يحاول إنكار ما يراه.
قال بصوتٍ منخفض
وماذا تريدان؟
أجاب عبد القادر دون تردد
أن تنقذ نفسك من الدمار.
سكت لحظة، ثم أضاف
ستأتي معي.
ارتفع صوت ياسين فجأة
إلى أين؟
أجابه بهدوء
إلى المزرعة التي أعمل فيها ستعمل معي هناك.
ضحك بسخرية
أنا؟ أعمل في تربية المواشي؟ مستحيل.
هنا تدخلت الأم أخيرًا، ونظرت إليه نظرةً لم يرها من قبل
نحن لا نطلب موافقتك.
وضعت فنجان الشاي أمامه بهدوء، ثم قالت
إما أن تذهب معه اليوم وتعمل لتسدد ما عليك،
وإما أن تذهب هذه الأوراق إلى الشرطة.
ساد صمتٌ ثقيل.
لم يكن تهديدًا
بل حقيقة جاهزة.
نظر إليهما ثم إلى يده التي لا تزال تمسك بالأوراق.
ولأول مرة منذ سنوات
لم يجد ما يقوله.
رفعت الأم عينيها إليه، وقالت بهدوءٍ قاطع
هذه آخر مرة أحاول حمايتك.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.
لم يُجادل ياسين كثيرًا
ولم ېصرخ كما كان يفعل دائمًا.
فقط وقف، وكأن شيئًا داخله قد انطفأ فجأة، ثم قال بصوتٍ منخفض
متى نغادر؟
نظر إليه عبد القادر لثوانٍ، ثم أجاب
الآن.
لم يلتفت ياسين إلى أمه وهو يصعد ليجمع بعض أغراضه، وكأنه يخشى أن يراها أو أن يرى نفسه في عينيها.
أما هي، فبقيت جالسة مكانها.
لم تحاول منعه ولم تنادِ عليه.
فقط أغمضت عينيها لحظة، ثم همست بصوتٍ لا يُسمع
ليحفظك الله ولو بعيدًا عني.
بعد ساعة
كانت السيارة تشق الطريق خارج الدار البيضاء، تاركةً خلفها الزحام والضجيج، متجهةً نحو طرقٍ أطول وأهدأ وأكثر قسۏة.
جلس ياسين في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة دون تركيز.
المدينة تبتعد والصمت يزداد.
اختفت المباني ثم الأشجار
ثم أي علامةٍ على الحياة التي اعتادها.
الأرض صارت أكثر جفافًا، والهواء أكثر حرارة، حتى وصلا إلى أطرافٍ بعيدة من ضواحي مراكش، حيث لا شيء يشبه ما تركه خلفه.
توقفت السيارة أخيرًا.
نزل عبد القادر أولًا، ثم أشار له دون كلام.
انزل.
فتح ياسين الباب ببطء، وما إن وضع قدمه على الأرض حتى شعر بشيءٍ غريب.
الصمت هنا مختلف
ثقيل كأنه يراقبك.
نظر حوله أرض ممتدة سياج بسيط
وبعيدًا، قطيع من الغنم يتحرّك ببطء.
اقترب رجلٌ مسنّ، حيّا عبد القادر، ثم نظر إلى ياسين نظرة سريعة قبل أن ينصرف.
قال ياسين بحدة
ما هذا المكان؟
أجابه والده وهو يتقدّم
مكان ستتعلّم فيه.
توقف